الصفحة 8 من 47

وتحول ثالثا إلى دين أخروي يهمل الحياة الدنيا وينهى عن الاشتغال بها، ويعتبر رعايتها والاهتمام بشئونها نقصا في الإيمان من جهة، وتدنيسا لطهارة الروح من جهة أخرى، وتعطيلا لها عن التحليق إلى الملكوت!

وتحول رابعا إلى تحقير"للإنسان"من حيث هو إنسان، ودعوة له أن يستشعر عظمة الله من خلال تحقيره لنفسه، والتيقن بأن اعتزازه بأي شيء في كيانه الإنساني إن هو إلا هاجس من عمل الشيطان عليه أن يتعوذ منه بالمزيد من التحقير لنفسه والإزراء بطاقاته.

وتحول خامسا إلى رضاء سلبي بالواقع، وعدم محاولة تغييره مهما كان ظالما أو مظلما، لأن محاولة تغييره تمرد على قدر الله من ناحية، ونقص في الإيمان من ناحية أخرى، يعرض صاحبه للحرمان من الأجر الذي يناله الصابرون في الآخرة.

وبالقطع فإن دين الله ليس كذلك! ولكنه هكذا صار على يد رجال الدين الأوربيين في العصور الوسطى.

وكانت نتيجة ذلك كله هي الانقلاب الرهيب الذي أحدثته"النهضة"في الحياة الأوربية. الانقلاب الذي نقل الناس من دين أخروي يهمل الحياة الدنيا إلى دين دنيوي يهمل الحياة الآخرة. من دين يعظّم الله بتحقير الإنسان إلى دين يؤله الإنسان بدلا من الله. من دين يحتقر الجسد ويكبت طاقاته إلى دين يمجد الجسد بكل نزواته ويرفض الضوابط. من دين يحجر على العقل إلى عقلانية تحجر على الدين. من دين بلا علم إلى علم بلا دين، ومن دين بلا حضارة إلى حضارة بلا دين!

ولكن قبل أن نمضي في الحديث عن الانقلاب الذي أحدثته"النهضة"في الحياة الأوربية علينا أن نقف وقفة مهمة:

إذا كانت هذه هي تجربة أوربا مع دينها، فكيف كانت تجربة المسلمين مع دينهم في ذات الفترة من الزمان؟!

لقد كانت تجربة مختلفة تماما .. لا يكاد يجمع شيء على الإطلاق بينها وبين التجربة الأوربية! فحيث كان هناك الظلام كان هنا النور. وحيث كان هناك الجهل كان هنا العلم. وحيث كان هناك الانغلاق كان هنا الانفتاح. وحيث كانت هناك السلبية والركود كانت هنا الإيجابية والحركة الموارة في كل اتجاه! وحيث اقتضى العمل للآخرة هناك إهمال الحياة الدنيا كان الشعار هنا أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن عمارة بمقتضى المنهج الرباني هي هدف رئيسي من وجود الإنسان في الأرض. وحيث كان تقديس الله وتعظيمه هناك يتم من خلال تحقير"الإنسان"كان تقديسه وتعظيمه هنا يتم من خلال تكريم الإنسان وتفضيله على كثير ممن خلق الله! وحيث كان تطهير الروح هناك يتم بكبت نوازع الجسد وقمعها كان تطهير الروح هنا يتم بممارسة الحياة كلها، في جميع جوانبها، بما فيها نشاط الجسد كله، وفقا للتعاليم الربانية، فتتم"تزكية النفس"من خلال النشاط الإيجابي لا من خلال الامتناع عن النشاط!

ولذلك قامت حضارة إسلامية من أزهى حضارات التاريخ، في ذات الفترة التي كانت أوربا تعيش في الظلمات، بل كان احتكاك أوربا بتلك الحضارة هو الدافع الرئيسي لنهضة أوربا، وسعيها الجبار للخروج من الظلمات:

يقول بريفولت في كتاب"بناء الإنسانية Making of Humanity":

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت