".."فبوكاتشيو"يتحدث عما في حياة رجال الدين من دعارة وقذارة ومن انغماس في الملذات طبيعية كانت أو غير طبيعية .. ووصف"ماستشيو"الرهبان والإخوان بأنهم خدم الشيطان، منغمسون في الفسق واللواط، والشره، وبيع الوظائف الدينية، والخروج على الدين، ويقر بأنه وجد رجال الجيش أرقى خلقا من رجال الدين. وها هو ذا"أرتينيو"الذي لم يتورع عن أية قذارة يسخر من الطابعين بقوله إن أخطاءهم لا تقل عن خطايا رجال الدين .. ! ويكاد"بجيو"يفرغ كل ما عرفه من ألفاظ السباب في التشنيع على فساد أخلاق الرهبان والقسيسين، ونفاقهم، وشرههم، وجهلهم، وغطرستهم، ويقص"فولينجو"في كتاب"أرلندينو"هذه القصة نفسها. ويبدو أن الراهبات ملائكة الرحمة في هذه الأيام كان لهن نصيب من هذا المرح، وأنهن كن رشيقات في البندقية بنوع خاص، حيث كانت أديرة الرجال والنساء متقاربة قربا يسمح لمن فيها بالاشتراك من حين إلى حين في فراش واحد. وتحتوي سجلات الأديرة على عشرين مجلدا من المحاكمات بسبب الاتصال الجنسي بين الرهبان والراهبات. ويتحدث"أرتينيو"عن راهبات البندقية حديثا لا تطاوع الإنسان نفسه على أن ينطق به. و"جوتشيارديني"الرجل الرزين المعتدل عادة يخرج عن طوره ويفقد اتزانه حين يصف رومة فيقول: أما بلاط رومة فإن المرء لا يستطيع أن يصفه بما يستحق من القسوة، فهو العار الذي لا ينمحي أبد الدهر، وهو مضرب المثل في كل ما هو خسيس مخجل في العالم" [1] .
ويقول المؤرخ البريطاني ويلز:
"شهد القرن الثالث عشر تطور منظمة جديدة في الكنيسة هي محكمة التفتيش البابوية. ذلك أنه جرت عادة البابا قبل ذلك الزمان بأن يقوم في بعض الأحيان بتحقيقات أو استعلامات عن الإلحاد في هذا الإقليم أو ذاك، ولكن"إنوسنت الثالث"وجد الآن في عقد الرهبان الدومينيسكيين الجديد أداة قوية للقمع. ومن ثم نظمت محاكم التفتيش كأداة تحقيق مستديمة تحت إدارتهم. وبهذه الأداة نصبت الكنيسة نفسها لمهاجمة الضمير الإنساني بالنار والعذاب، وعملت على إضعافه مع أنه مناط أملها الوحيد في السيادة على العالم. وقبل القرن الثالث عشر لم تنزل عقوبة الإعدام إلا نادرا بالملاحدة والكفار. فأما الآن فإن كبار رجال الكنيسة كانوا يقفون في مائة ساحة من ساحات الأسواق في أوربا ليراقبوا أجسام أعدائها -وهم في غالبية الأمر قوم فقراء لا وزن لهم- تحترق بالنار وتخمد أنفاسهم بحالة محزنة، وتحترق وتخمد معهم في نفس الحين الرسالة العظمى لرجال الكنيسة إلى البشرية، فتصبح رمادا تذروه الرياح" [2] .
ذلك كله وأسوأ منه كان من أفاعيل الكنيسة التي نشرت الظلم والظلام في قرون أوربا الوسطى المظلمة. ولكن المشكلة لم تكن تكمن في أفاعيل الكنيسة فحسب، بل في الصورة ذاتها التي اصطنعتها أوربا من الدين"."
فقد تحول الدين أولا إلى رهبانية:
(وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) [سورة الحديد: من آية 27] .
وتحول ثانيا إلى تحقير للجسد، واعتباره -في ذاته- دنسا لا ينبغي للمؤمن الحق أن يستجيب لهواتفه أو يلتفت إلى نداءاته، بل عليه أن يكبتها من أجل صفاء الروح!
(1) - ول ديورانت، قصة الحضارة، ج1 مقتطفات من ص 83 - 86 من الترجمة العربية.
(2) - معالم تاريخ الإنسانية، مصدر سابق، ج3 ص908 - 909 من الترجمة العربية.