الصفحة 6 من 47

وبصرف النظر عن"التعتيم الإعلامي"الذي تمارسه المراجع الأوربية عن السبب الحقيقي في ثورة الكنيسة على هذه الأفكار العلمية، وهو أنها أفكار إسلامية جاءت من التتلمذ المباشر من علماء الغرب على العلوم الإسلامية في الأندلس وغيرها من بلاد الإسلام، سواء بتعلم اللغة العربية أو بالترجمة إلى اللاتينية، لغة العلم في أوربا يومئذ .. بصرف النظر عن هذا التعتيم فإنه تبقى هناك حقيقة واقعة، وهي أن الكنيسة وقفت ضد التقدم العلمي بضراوة بالغة، وعدّته لونا من ألوان الكفر لا يسعها السكوت عليه!

يقول المؤرخ البريطاني ويلز عن ألوان الطغيان التي مارستها الكنيسة:

"فأصبح قساوستها وأساقفتها على التدريج رجالا مكيفين وفق مذاهب اعتقادية حتمية، وإجراءات مقررة وثابتة .. ولم تعد لهم بعد رغبة في رؤية مملكة الرب موطدة في قلوب الناس، فقد نسوا ذلك الأمر، وأصبحوا يرغبون في رؤية قوة الكنيسة -التي هي قوتهم هم- متسلطة على شئون البشر .. ونظرا لأن كثيرا منهم كانوا على الأرجح يسرون الريبة في سلامة بنيان مبادئهم الضخم المحكم، وصحته المطلقة، لم يسمحوا بأية مناقشة فيه. كانوا غير لا يحتملون أسئلة ولا يتسامحون في مخالفة، لا لأنهم على ثقة بعقيدتهم، بل لأنهم كانوا غير واثقين بها" [1] .

ثم يقول:

"كان هذا التعصب الأسود القاسي روحا خبيثة لا يجوز أن تخالط مشروع حكم الله في الأرض، وإنه لروح يتعارض تماما مع روح يسوع الناصري. فما سمعنا قط أنه لطم الوجوه أو خلع المعاصم لتلاميذه المخالفين له أو غير المستجيبين لدعوته. ولكن البابوات كانوا طوال قرون سلطانهم في حنق مقيم ضد من تحدثه نفسه بأهون تأمل في كفاية الكنيسة الذهنية."

"ولم يقتصر تعصب الكنيسة على الأمور الدينية وحدها، فإن الشيوخ الحصفاء، المولعين بالأبهة، السريعي الهياج، الحقودين، الذين من الجلي أنهم كانوا الأغلبية المتسلطة في مجالس الكنيسة، كانوا يضيقون ذرعا بأية معرفة عدا معرفتهم، ولا يثقون بأي فكر لم يصححوه ويراقبوه، فنصبوا أنفسهم للحد من العلم، الذي كانت غيرتهم منه بادية للعيان، وكان أي نشاط عقلي عدا نشاطهم يعد في نظرهم نشاطا وقحا" [2] .

ولم تقف مظالم الكنيسة وظلماتها عند هذا الحد ..

فإذا أضيف إلى القائمة فساد رجال الدين، وغرقهم في الترف الفاجر في الوقت الذي ينهون فيه الناس حتى عن المتاع المباح، مما حفلت به مراجعهم التاريخية .. وإذا أضيفت فضائح الأديرة، أماكن التطهر والتعبد التي انقلبت مواخير يرتكب فيها ما يعف الرجل العادي عن ارتكابه .. وإذا أضيفت مهزلة صوك الغفران التي تباع فيها قطع من الجنة لمن يدفع الثمن للبابا وكبار قساوسته .. وإذا أضيفت أخيرا محاكم التفتيش وفظائعها، أمكن أخذ صورة تقريبية لألوان الظلم والظلمات التي عاشتها أوربا في قرونها الوسطى المظلمة من خلال تجربتها الدينية.

يقول"ول ديورانت"في فصل بعنوان"أخلاق رجال الدين"من كتاب"قصة الحضارة":

"لقد كان يسع الكنيسة أن تحتفظ بحقوقها القدسية المستمدة من الكتب المقدسة العبرية والتقاليد المسيحية لو أن رجالها تمسكوا بأهداب الفضيلة والورع .. ولكن كثرتهم الغالبة ارتضت ما في أخلاق زمانها من شر وخير، وكانوا هم أنفسهم مرآة ينعكس عليها ما في سيرة غير رجال الدين من أضداد .."

ثم يقول بعد أن يستشهد ببعض ما سجله الأدب الإيطالي من أحوال رجال الدين في ذلك العصر:

(1) -"معالم تاريخ الإنسانية"تأليف المؤرخ البريطاني ويلز، ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد، طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة ص 902 - 903 من الترجمة العربية.

(2) - المصدر السابق ص905.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت