الصفحة 5 من 47

فكل دين يمارس عقيدة فقط بلا شريعة يتحول رجاله إلى"كهنة"ووسطاء بين العبد والرب، لهم سلطان على أرواح الناس وقلوبهم، رضاهم من رضا الرب، وسخطهم من سخط الرب، ولهم قداسة في حس الناس. وهذا ما حدث بالفعل في أوربا النصرانية حيث أصبح"رجال الدين"كهنة، وصار لهم ذلك السلطان الطاغي الذي كان لهم على قلوب الناس وأرواحهم في العصور الوسطى، ابتداء من كاهن الأبرشية -أصغر رجال الدين شأنا- إلى قداسة البابا ممثل الله على ظهر الأرض.

ولكن الطغيان الذي نشأ ابتداء من تحول رجال الدين إلى كهنة، وصيرورتهم وسطاء بين العبد والرب، لم يكن -بطبيعته- ليقف هناك عند عالم الأرواح والقلوب، إنما كان من شأنه أن يمتد إلى ميادين أخرى، كما هي طبيعة الطغيان في جميع العصور!

لقد استأثرت الكنيسة بتفسير"النص الديني"، وزعمت أنه يحتوي على"أسرار"، وأن الكنيسة وحدها هي التي تعلم حقيقة هذه الأسرار، وأن الناس لا ينبغي لهم التفكير فيها والتفتيش عنها، لأنهم عاجزون عن إدراكها، ومهمتهم هي التسليم المطلق بمقولات الكنيسة، وإلا فهم مهرطقون ينالهم العقاب في الدنيا والآخرة. وأصبح الشعار المرفوع: آمن ولا تناقش! وبذل تم الحجر على العقل البشري، الذي استمر عدة قرون، حتى جاءت"النهضة"وجاء عهد"الإصلاح".

وفي أثناء ذلك كان قد اتسع مجال الطغيان، فتولد عنه طغيان مالي، وطغيان سياسي، وطغيان علمي ..

فأما الطغيان المالي فقد تمثل في"العشور"التي تحبيها الكنيسة من أموال الناس، لا لتنفق على الفقراء كما أمر الله، ولكن لتمتلئ بها جيوب رجال الدين، ويغرقوا بها في الترف والفساد، بالإضافة إلى الهبات، والإتاوات التي يأخذونها من الأغنياء، والسخرة التي فرضوها على الفلاحين المعدمين، إذ يعملون في يوم راحتهم -يوم الأحد- في حقول الكنيسة سخرة بغير أجر!

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَاكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (سورة التوبة: 34) .

وأما الطغيان السياسي فتمثل في سطوتهم التي كانوا يرهبون بها الأباطرة والأمراء لكي يستجيبوا لرغباتهم، ويخضعوا لأهوائهم. مهدَّدين-إذا لم يفعلوا ذلك- بالعزل والحرمان.

وأما الطغيان العلمي فقد كان كما يقال: القشة التي قصمت ظهر البعير!

فقد قام علماء -ممن تأثروا في الحقيقة بالعلوم الإسلامية- يعلنون أن الأرض كروية، وأنها ليست مركز الكون، فقامت الكنيسة بمحاربتهم، بوصفهم كفارا ملحدين لمخالفتهم ما جاء في التوراة من أن الأرض منبسطة، وحكمت على ثلاثة منهم بالحرق في النار أحياء، ونفذت الحكم بالفعل في أحدهم -"جور دانو برونو"- وأما ثانيهم -"كوبرنيكوس"- فقد مات قبل أن ينفذ فيه حكم الحرق، وأما الثالث -"جاليليو"فقد ارتد عن أفكاره ظاهرا، لينجو من الحرق، ولكنه على فراش الموت ظل يردد: الأرض كروية. الأرض كروية .. حتى مات!

ولقد كانت كل أفعال الكنيسة تلك ظلما وطغيانا، ولكن ربما كان الطغيان العلمي أشد ما أثر في مجرى الأحداث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت