"وليس ثمة ميدان من ميادين الخبرة الإنسانية لم يضرب فيها الإسلام بسهم، ولم يزد ثروة التقاليد الغربية فيها غنى. فثمة الأطعمة والأشربة، والعقاقير والأدوية والسلاح والدروع ونقوشها، والفنون الصناعية والتجارية والبحرية، ثم بعد ذلك الأذواق والموضوعات الفنية، ودع عنك الحديث في المصطلحات العديدة في الفلك والرياضة -فإن قائمة تدل على المدى الكامل لمساهمة الإسلام في كل ذلك تستنفد صفحات عدة دون أن تبلغ ولو من بعيد درجة التمام. وإن نفس وجود العالم الإسلامي كان له أثر كبير في صوغ التاريخ الأوربي والحضارة الأوربية. وكانت الحروب الصليبية من كثير من النواحي أعظم مغامرة أقدم عليها الإنسان في العصور الوسطى وأبعدها أثرا. ذلك أن القصص الإسلامي والأخيلة الشعرية وفلسفة الغيبيات الإسلامية وجراءة المذاهب الصوفية الإسلامية، قد تركت جميعها آثارها ببلاد الغرب في القرون الوسطى. ولا شك أن أعظم رجالات اللاهوت وأعظم الشعراء في القرون الوسطى الأوربية مدينون للإسلام بأكبر الفضل في ناحيتي الإلهام والمادة جميعا .." [1] .
إذن فقد كان هناك فارق ضخم بين ظلام القرون الوسطى في أوربا والإشراقة الضخمة للإسلام في ذات الفترة. وتفسير ذلك لا يغمض على الأفهام ..
لم يكن الفاروق في نوعية البشر .. ولنضع في حسابنا أن الإسلام قد استوعب شعوبا مختلفة وأجناسا مختلفة -بعضها من أوربا ذاتها- صاروا كلهم مسلمين، وكانت لغتهم في تلك الفترة التي نتحدث عنها هي العربية، سواء احتفظ بعضهم بلغاتهم الأصلية أو لم يحتفظوا بها ..
إنما كان الفارق في طريقة تناول الدين ..
فهنا دين لا كهانة فيه، إنما فيه علماء وفقهاء يعلمون الناس دينهم، ويجتهدون فيما أبيح لهم من ميادين الاجتهاد لمواكبة حركة الحياة الدائبة، لا قداسة لهم وإنما هم يوقّرون لعلمهم، وعلى قدر علمهم، ولا وساطة لهم بين العبد والرب، فعلاقة العباد بربهم مباشرة لا وسيط فيها إلا العمل الصالح، ومن ثم لا مجال لأن ينشأ من وجودهم، ومن قيامهم بمهمتهم طغيان روحي أو مالي أو سياسي أو علمي أو عقلي .. ودين مفتوح للعقل، بل العقل مأمور أن يعمل في ظله، ويتدبر شئونه [2] ، وشريعة ربانية مطبقة في واقع الأرض يستظل الخلق بظلها الوارف فتنظم لهم حياتهم، وتطلقهم يمارسون كل مناشط الحياة في توازن واعتدال ..
وهناك كانت الأحوال كما وصفنا من قبل ..
وكان بديهيا ومنطقيا أن يختلف المسار بين ما حدث هنا وما حدث هناك.
لذلك فإن من العجب العجاب أن يُجْمَع بين المسارين المختلفين تحت عنوان واحد يسمى"القروسطية"أو"فكر القرون الوسطى"أو ما شابه ذلك من الأسماء!!
أين المنطق؟! أين الموضوعية؟!
كيف يجتمع الأبيض والأسود فيوصفان بوصف واحد؟!
كيف يجتمع النور والظلام في اسم واحد مع اختلاف المسمّى [3] ؟!
(1) - ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد بعنوان"حضارة الإسلام"طبع مكتبة مصر بالقاهرة سنة 1956، ص435.
(2) - سنتحدث عن هذه النقطة في فصل قادم بعنوان"العقلانية".
(3) - المسمّى هو الشخص أو الشيء الذي يطلق عليه الاسم. وبعض الناس يخطئون فيستخدمون لفظ المسمى بدلا من لفظ الاسم.