ليست"القروسطية"أو"فكر القرون الوسطى"حالة عامة ذات خصائص معينة تعرض للبشرية كلها في وقت من الأوقات أو في أوقات مختلفة، حتى يقال إن البلد الفلاني أو الشخص الفلاني يعيش حالة القرون الوسطى، أو يفكر بطريقة القرون الوسطى، أو يريد العودة إلى القرون الوسطى .. فهناك قرون وسطى يحفها الظلام، وقرون موازية لها يحفها النور. قرون وسطى يعمها الطغيان الروحي والمالي والفكري والسياسي والاقتصادي، وقرون موازية تعيش في انطلاق وتسامح وبحبوحة روحية وفكرية (في حدود ما يتاح للبشر مع ما فيهم من قصور أحيانا وانحراف أحيانا وتخبط أحيانا) فأية قرون؟ وأي فكر؟ وأية عودة؟!
إنما يسمى كل مسمى باسمه! فيقال: القرون الوسطى الأوربية المظلمة، والقرون الإسلامية المنيرة المشرقة المتحضرة التي بلغت الذروة في حضارتها! ويحدد لكل فكر اتجاهه! فيقال: فلان يريد العودة إلى فكر القرون الوسطى الأوربية المظلمة، وفلان يريد العودة إلى فكر القرون الإسلامية المضيئة!
إنما تطلق أوربا مصطلحاتها الخاصة على التاريخ البشري كله غرورا منها، على اعتبار أن أوربا هي العالم، وتاريخها هو تاريخ العالم، وأحوالها وتطوراتها هي أحوال العالم وتطوراته ..
أما نحن .. ؟!
كيف جاز لنا أن نتخذ معاييرهم ومصطلحاتهم وتعميماتهم فنصف بها تاريخنا وحضارتنا ومسارنا التاريخي، بينما أحوالنا غير أحوالهم، وتاريخنا غير تاريخهم، سواء في ارتفاعاته أو انخفاضاته، أو استقاماته أو انحرافاته؟!
إنما يفعل"مثقفونا"ذلك بتأثير الغزو الفكري .. شعروا بذلك أم لم يشعروا به!
إن أوربا تقول في دينها ما تقول .. وهي حرة تقول في دينها ما تشاء ..
وأوربا من جانب آخر لا تريد للمسلمين أن يرجعوا إلى الإسلام أو يتمسكوا به، سواء كان الدافع لهم إلى ذلك هو الروح الصليبية المتأصلة فيهم -كما نقول نحن- أو كان المصالح الاقتصاية- كما يزعمون هم- أو كان صراع الحضارات- كما يقول هنتجتون- ولذلك سعت خلال القرن الماضي وهذا القرن إلى محاربة الصحوة الإسلامية بكل وسائل الحرب، بما في ذلك تشويه صورة الإسلام لتنفير الناس منه وصدهم عن العودة إليه.
ومن وسائل التشويه والتنفير أن يضفى على تاريخ القرون الإسلامية المشرقة من الأوصاف ما يضفى على قرون أوربا الوسطى المظلمة، ثم يقال: إن الذين يريدون العودة إلى الإسلام يريدون العودة إلى ظلمات القرون الوسطى المظلمة .. ويا لها من ظلمات!!
ويا لها من مغالطة يتعمدها الغزو الفكري .. ويقع فيها"المثقفون"بعلم أو بغير علم!
مغالطة لا يعتذر لهم فيها حسن النية ولا الإخلاص .. فإنها بكل المعايير"العلمية"و"الموضوعية"لا تثبت للنقاش!
ونعود إلى خطوات التاريخ
لقد كان تأثير الإسلام على أوربا جارفا في كل الاتجاهات ..
يقول جرونيباوم في كتابه المشار إليه آنفا: