"ولقد أهمل الإسبان المسيحيون في القرن التاسع تراثهم القديم إيثارا منهم للتراث العربي، وهذا"ألفارو"-الكاتب المسيحي المتعصب [1] -يأسى في سنة 854 لهذا الاتجاه أسى مريرا، فيقول: يطرب إخواني المسيحيون لأشعار العرب وقصصهم، فهم يدرسون كتب الفقهاء والفلاسفة المحمديين لا لتفنيدها، بل للحصول على أسلوب عربي صحيح رشيق. فأين تجد اليوم علمانيا [2] يقرأ التعليقات اللاتينية على الكتب المقدسة؟ وأين ذلك الذي يدرس الإنجيل وكتب الأنبياء والرسل؟ واأسفا! إن شباب المسيحيين الذين هم أبرز الناس مواهب، ليسوا على علم بأي أدب ولا أية لغة غير العربية. فهم يقرأون كتب العرب ويدرسونها بلهفة وشغف، وهم يجمعون منها مكتبات كاملة تكلفهم نفقات باهظة، وإنهم ليترنمون في كل مكان بمدح تراث العرب. وإنك لتراهم من الناحية الأخرى يحتجون في زراية إذا ذكرت الكتب المسيحية بأن تلك المؤلفات غير جديرة بالتفاتهم. فواحر قلباه! لقد نسي المسيحيون لغتهم، ولا يكاد يوجد منهم واحد في الألف قادر على إنشاء رسالة إلى صديق بلاتينية مستقيمة! ولكن إذا استدعى الأمر كتابة بالعربية، فكم منهم من يستطيع أن يعبر عن نفسه في تلك اللغة بأعظم ما يكون من الرشاقة، بل قد يقرض من الشعر ما يفوق في صحة نظمه شعر العرب أنفسهم!" [3] .
ولم يكن هذا التأثير الجارف محصورا في الأندلس، فقد كان ساريا في أوربا كلها مع اختلاف في الدرجات.
يقول المؤرخ البريطاني ويلز:
"لو تهيأ لرجل ذي بصيرة نفاذة أن ينظر إلى العالم في مفتتح القرن السادس عشر، فلعله كان يستنتج أنه لن تمضي إلا بضعة أجيال قليلة، لا يلبث بعدها العالم أجمع أن يصبح مغوليا، وربما أصبح إسلاميا .." [4] .
والعالم أجمع يشمل أوربا بطبيعة الحال!
ولكن هذا التأثير الجارف قد أزعج الكنيسة الأوربية إزعاجا جاوز الحد، فقامت -بضراوة- تحارب التأثير الإسلامي بكل وسائل الحرب. وكان من أفعل الوسائل وسيلتان اثنتان على وجه التحديد: محاكم التفتيش، بكل فظائعها المعروفة، وتشويه صورة الإسلام على يد كتاب الكنيسة وشعرائها وأدبائها، الذين قدموا إلى أوربا صورة عن الإسلام والمسلمين تشمئز منها النفوس.
ولنذكر -بالنسبة إلى الوسيلة الأولى- أن إحراق العلماء أحياء لأنهم قالوا بكروية الأرض كان جزءا من هذه الحملة الضارية. فقد كانت كروية الأرض معروفة عند علماء المسلمين منذ القرن الرابع الهجري على الأقل -العاشر الميلادي- ومنهم انتقل العلم إلى علماء أوربا حين ترجمت كتبهم إلى اللاتينية، فكانت حرب الكنيسة لهم بتلك الوحشية جزءا من الحرب الصليبية ضد الإسلام.
ولنذكر -بالنسبة إلى الوسيلة الثانية- ما انتشر في كتابات الأوربيين في تلك الفترة من سب بذيء للرسول صلى الله عليه وسلم ووصفه بالنبي الكذاب، السفاح، المتعطش للدماء، الشهواني، عدو المسيح! ووصف المسلمين بالبرابرة، والقراصنة، والسفاحين .. إلخ.
ونجحت الوسيلتان -ولا شك- في إبعاد أوربا عن الإسلام ..
ولكن النتائج كانت خطيرة!
(1) - لا ننسى أن جرونيباوم يهودي وليس مسيحيا!
(2) - يقصد الشخص غير المتخصص في العلوم الدينية.
(3) - عن كتاب"إسلام العصور الوسطى"المترجم بعنوان حضارة الإسلام، ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد"ص81 - 82 من الترجمة العربية."
(4) - عن كتاب"معالم تاريخ الإنسانية"، مرجع سابق، ج3 ص966.