الصفحة 13 من 47

لقد أدركت أوربا -نتيجة احتكاكها بالمسلمين في الحروب الصليبية وفي العلاقات التجارية وفي الجامعات الإسلامية في الأندلس وصقلية والشمال الإفريقي وغيرها من بلاد المسلمين -كم جنت عليها الكنيسة بطغيانها الذي مارسته باسم الدين، وأن هناك صورة للحياة تختلف تماما عن حياتها في ظل تلك الكنيسة، فبدأت تتمرد على الدين الذي مارست الكنيسة طغيانها باسمه، ورغبت -كما قال ويلز- في الإسلام، ولكن الكنيسة وقفت ضد هذه الرغبة بالعنف الذي أشرنا إليه، فانغلق في وجه أوربا باب"الدين"، فانكفأت على تراثها الإغريقي الروماني Gerco-Roman تستمد منه المقومات الفكرية لنهضتها، في خصومة مع الدين!

وهكذا ولدت النهضة .. مزيجا من إيجابيات ضخمة، وسلبيات هائلة.

فأما إيجابياتها فقد كانت -كما يذكر الكُتَّاب الغربيون أنفسهم- مستمدة من أصول إسلامية واضحة. وأما سلبياتها فصناعة محلية بحتة، مصدرها حماقات الكنيسة سواء في فترة الفعل أو في فترة رد الفعل، ففي كلتا الفترتين كانت عاملا منفرا من الدين!

أبرز تلك السلبيات هو الخصومة مع الدين.

إن العداء بين الدين والعلم، وبين الدين والحضارة، وبين الدين والتقدم ليس أصلا من أصول الحياة البشرية، إنما هو مرض أوربي بحت، سببه سوء التجربة الأوربية التي مارستها في ظل الدين، ومارست الدين من خلالها .. ولقد مارست البشرية تجربة أخرى على نطاق واسع امتد من المحيط إلى المحيط، لم تكن فيه عداوة بين الدين والعلم، أو بين الدين والحضارة، أو بين الدين والتقدم، بل كان الدين فيها هو الدافع إلى التقدم العلمي والتقدم الفكري والتقدم الحضاري، وتلك هي تجربة المسلمين مع الإسلام، في ذات الفترة التي كانت أوربا تعيس فيها في الظلمات من خلال تجربتها الدينية.

ولولا حماقات الكنيسة -وهي قضية أوربية بحتة- فقد كانت"النهضة"في أوربا قمينة ألا تقوم على عداء مع الدين. فالدين أمر مركوز في الفطرة.

(فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (سورة الروم: من آية30) .

والرغبة في العلم، والرغبة في تسخير طاقات السماء والأرض لتحسين أحوال البشر على الأرض أمر مركوز في الفطرة:

(هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (سورة هود: من آية 61) .

(وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ) (سورة الجاثية: الآية: 13) .

(وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (سورة النحل: الآية: 78) .

(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) (سورة الإسراء: الآية: 12) .

(اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (سورة العلق: الآيات: 3 - 5) .

والفطرة -كما خلقها الله- لا تتناقض ولا يتنافر بعضها مع بعض، إلا أن يفسد الغذاء الذي يقدم عليها، فعندئذ يحدث المرض، ويحدث الانحراف.

ولقد جاء المرض إلى أوربا من مصدرين متعاقبين، كلاهما سيء، وكلاهما خطير ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت