الصفحة 14 من 47

ففي الفترة التي سيطرت فيها الكنيسة حدث من الظلم والمظالم ما نفر الناس من الدين. وفي فترة النهضة أضيف إلى العامل الأول عامل جديد، نشأ من بعث الروح الإغريقية الوثنية الكافرة، التي اختصت بين وثنيات التاريخ بتصوير العلاقة بين البشر و"الآلهة"على أنها علاقة خصام وعداء: الإنسان يتمرد على الآلهة لكي يثبت ذاته، والآلهة تسعى إلى تحطيمه وتدميره لكي تنفرد بالسلطان، كما يتضح جليا في أسطورة"بروميثيوس"سارق الناس المقدسة ..

فالأسطورة تقول إن"زيوس"إله الآلهة خلق الإنسان من قبضة من طين الأرض، ثم سواه على النار المقدسة التي ترمز في الأسطورة إلى المعرفة. ثم أهبطه إلى الأرض وحيدا في الظلام، وترمز الأسطورة بذلك إلى حالة الجهل التي كان الإنسان عليها، فأشفق عليه كائن أسطوري هو"بروميثيوس"-الذي ربما كان يرمز إلى الشيطان -فسرق له النار المقدسة من الإله! وترمز الأسطورة بذلك إلى أن الإنسان قد بدأ يتعلم .. ولكن تعلم الإنسان أثار غيرة الإله وسخطه فقرر الانتقام منه ومن بروميثيوس الذي سرق النار المقدسة (مع عجزه في الوقت ذاته عن استرداد النار المسروقة منه!) فأما بروميثيوس فقد عاقبه الإله بنسر يأكل كبده طول النهار، وتنبت له كبدة جديدة في الليل فيأتي النسر فيرعى كبده من الصباح إلى الليل، هكذا في عذاب أبدي. وأما الإنسان (واسمه في الأسطورة"إبيميثيوس"، الذي يرمز إلى آدم) فقد أرسل الإله إليه مخلوقة أنثى (اسمها في الأسطورة"باندورا"وترمز إلى حواء) بحجة أن تؤنسه في وحدته، وأرسل معها صندوقًا هدية، فلما فتح الصندوق إذا هو مملوء بالشرور، فتناثرت الشرور من الصندوق وملأت وجه الأرض!

هذه الروح الخبيثة -بالإضافة إلى أفاعيل الكنيسة وحماقاتها- هي التي أحدث الانقلاب الذي صاحب النهضة، والذي أدى إلى تأليه الإنسان بدلا من الله فيما يعرف في أدبيات النهضة"بالاتجاه الإنساني""Humanism"ولا علاقة له بالروح الإنسانية كما يظن المخدوعون بها، إنما معناه أخذ المعرفة من"الإنسان"بدلا من المصدر الرباني!

هذا المرض -وهو مرض أوربي بحت- هو الذي أدى في"الحضارة"الأوربية المعاصرة إلى ذلك العداء العنيف للدين، والسعي إلى مطاردته والتضييق عليه، وتحجيمه إلى أقصى حد مستطاع إذا لم يتيسر القضاء الكامل عليه، بحيث يصبح علاقته بين العبد والرب، محلها القلب، ولا صلة لها بواقع الحياة!

ومرة أخرى نقول: إن أوربا حرة تقول في دينها ما تشاء، وتفعل بدينها ما تشاء .. ولكن ما بالنا نحن الذين اختلفت تجربتنا مع الدين اختلافا جذريا نتبع سننهم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى إذا دخلوا جحر ضب دخلناه!

ولم يكن العداء مع الدين هو السلبية الوحيدة في تلك النهضة ..

فقد ورثت أوربا من انتكاستها الوثنية الإغريقية عبادة العقل [1] ، وعبادة الجسد في صورة فن عار، كما ورثت من الوثنية الرومانية عبادة الجسد في صورة لذائذ حسية، وشهوة السيطرة وإذلال الآخرين، كما تمثلت في الاستعمار العسكري فترة، ثم الاستعمار الاقتصادي فترة .. وآخر صورها هو"العولمة"التي تهدد باكتساح كل الأرض!

تلك كلها أمراض أوربية بحتة .. وأحوال أوربية بحتة .. وليست تراثا"إنسانيا"نابعا من كيان"الإنسان"من حيث هو إنسان .. فما بال"مثقفينا"يبلغ بهم الغزو الفكري من حيث يعلمون أو لا يعلمون أن ينظروا إلى الأشياء بعيون غيرهم، وقد وهب الله لنا عيونا مستقلة نستطيع أن نميز بها بين الخير والشر، بين الأبيض والأسود، وبين الظلمات والنور؟!

(1) - سنتحدث عن هذه النقطة في فصل"العقلانية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت