وإليكم بعض النصائح التي قرأتها للمحدث الألباني، قال-رحمه الله تعالى-في: (السلسلة الضعيفة) (4/ 8) : ( ... لهذه الأمثلة وغيرها أنصح لكل من يكتب في مجال التصحيح والتضعيف أن يَتّئد، ولا يستعجل في إصدار أحكامه على الأحاديث، إلا بعد أن يمضي عليه دهر طويل في دراسة هذا العلم في أصوله، وتراجم رجاله، ومعرفة علله، حتى يشعر من نفسه أنه تمكن من ذلك كله، نظرًا وتطبيقًا، بحيث يجد أن تحقيقاته-ولو على الغالب-توافق تحقيقات الحفاظ المبرِّزين في هذا العلم كالذهبي، والزيلعي [1] ، والعسقلاني، وغيرهم.
أنصح بهذا لكل إخواننا المشتغلين بهذا العلم، حتى لا يقعوا في مخالفة قول الله تبارك وتعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولًا) [2] . ولكي لا يصدق عليهم المثل المعروف:"تزبب قبل أن يتحصرم"! ولا يصيبهم ما جاء في بعض الْحِكَم:"من استعجل شيئًا أوانه، ابتلي بحرمانه"... ).
ومرة بيَّن أنه لا يجوز ذكر الحديث الضعيف إلا مع بيان ضعفه، فقال في: (تمام المنة) (ص:32) : (لقد جرى كثير من المؤلفين ولا سيما في العصر الحاضر على اختلاف مذاهبهم واختصاصاتهم على رواية الأحاديث المنسوبة إلى النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-دون أن ينبهوا على الضعيفة منها، جهلًا منهم بالسنة، أو: رغبة، أو: كسلًا منهم عن الرجوع إلى كتب المتخصصين فيها، وبعض هؤلاء-اعني: المتخصصين-يتساهلون في ذلك في فضائل الأعمال خاصة!
قال أبو شامة:"وهذا عند المحققين من أهل الحديث وعند علماء الأصول والفقه خطأ، بل: ينبغي أن يبيَّن أمره إن عُلم، وإلا دخل تحت الوعيد في قوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-:"من حدث بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" [3] ."رواه مسلم"."
هذا حكم من سكت عن الأحاديث الضعيفة في الفضائل! فكيف إذا كانت في الأحكام ونحوها؟ واعلم أن من يفعل ذلك فهو أحد رجلين:
1 -إما أن يعرف تلك الأحاديث ولا ينبه على ضعفها، فهو غاش للمسلمين، وداخل حتمًا في الوعيد المذكور.
(1) -وهذا في ظني فيه نوع مبالغة من الشيخ الألباني-رحمه الله تعالى-، وإلا فأين في زماننا من توافق تحقيقاته تحقيقات الذهبي، والزيلعي، والعسقلاني، وغيرهم، فلو أردنا أن نطبق هذه المبالغة ما وضع عالم سوادًا في بياض في علم الحديث-رواية ودراية-والدليل على ما قلت هو ما قرره الشيخ الألباني نفسه في كتابه القيم: (الرد على التعقب الحثيث) (ص:57/ 60) حين قال: (فقد اتفقت كلمات هؤلاء الأئمة جميعًا على أن الشرط الوحيد لمن يصحح ويضعف أن يكون متمكنًا في علم الحديث عارفًا بعلله ورجاله ... وخلاصة القول أن الشرط في التصحيح والتضعيف إنما هو الأهلية فقط، وأما الحفظ فشيء آخر، إن وجد فنور على نور، وإلا فليس بشرط كما أفادته كلمات الأئمة) . فالشرط في التصحيح والتضعيف إنما هو الأهلية فقط، وهي قد تحصل بأقل مما قاله الألباني-رحمه الله-في: (الضعيفة) (4/ 8) : (توافق تحقيقاته تحقيقات الذهبي، والزيلعي، والعسقلاني، وغيرهم) .
(2) -سورة الإسراء، رقم الآية: (36) .
(3) -أي: يشارك المحدّثُ: بالكذب: البادئَ بذلك الكذب، فيشتركان في الإثم والمؤاخذة. وقد سمى رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-في هذا الحديث: الكلام المكذوب: (حديثًا) . انتهى من كتابي: (القول الحصيف فيمن يعتد بالتجحيف) (ص:21) .
رواه مسلم في: (مقدمة صحيحه) (1/ 9) ، وأحمد في: (مسنده) (5/ 14) ، وابن حبان في: (صحيحه) (رقم:29) ، و (ضعفائه) (1/ 16) ، والطحاوي في: (مشكل الآثار) (رقم:422) ، وغيرهم.