قد اتضح جليًا بما سلف في الفصول الثلاثة الماضية من التفصيل لمفاسد الربا في المعيشة الاجتماعية ونظامها المالي ما ظهرت إلا لأن القانون قد أتاح الربا في المجتمع. ومن الظاهر أن الإنسان ما دام يجد باب الربا مفتوحًا في وجهه، لا يكاد يقرض أحدًا من جيرانه قرضًا حسنًا أو يشارك غيره في الربح والخسارة في تجارة أو صناعة أو زراعة أو يمد إلى الجماعة يد المساعدة بالإخلاص والمحبة لتحقيق حاجاتها. وأي شيء يمنعه أن يسلم ماله المجموع إلى الرأسمالي ولا ينال منه ربحًا معينًا مضمونًا مع بقائه وادعًا مستريحًا في بيته؟ من المستحيل حقًا بعد أن فتحتم الباب على مصراعيه لميول الفطرة ونوازعها الدنيئة، أن تحولوا دون نموها واستفحال مضارها بالمواعظ والنصائح الخلقية المجردة. ليس هذا فحسب، بل إن قانونكم مساعد لهذه الميول وآخذ بناصرها وإن حكومتكم لا تنشئ نظام الماليات الاجتماعية ولا تسيره إلا على هذه السيئة -الربا- فأنى لكم إذن أن تقوموا في وجه شرور الربا وتحولوا دون استفالحها بتعديلات جزئية وإصلاحات سطحية؟ الحق أنه لا يمكن ذلك إلا بأن تغلقوا الباب الذي يلج منه الشر في المجتمع.
والذين يظنون أنه إذا تم أولًا وضع نظام غير ربوي للماليات، بطل الربا بنفسه أو ألغي بموجب القانون بعده على الفور، إنما يريدون أن يأتوا البيت من غير بابه، فإن الربا ما دام مباحًا جاريًا يسنده القانون، وما دامت المحاكم تعترف بمشروعية الصفقات الربوية بين الدائن والمدين وتنفذها بالقوة، وما دام الرأسماليون يتمتعون بحرية إطماع الناس في الربا والفائدة المضمونة وجذب أموالهم إلى صناديقهم ثم تقديمها بالربا إلى غيرهم. لا يمكن البتة أن يبرز إلى حيز الوجود وينمو نظام صحيح غير ربوي للمالية. فإن كان إبطال الربا متوقفًا على أن ينشأ ويشب أولًا نظام غير ربوي يحل محل النظام الحاضر، فليكن منكم على يقين أنه لن يأتي علينا إلى يوم القيامة يوم نتخلص فيه من لعنة الربا. لا بد لكم إن أردتم الخلاص من شر الربا أن تلغوا نظامه بموجب القانون عند أول خطوة، وعندها سيبرز بنفسه إلى حيز الوجود نظام غير ربوي للمالية لأن الحاجة كما قيل قديمًا أم كل اختراع فهي التي ستكفل بنفسها فتح الطريق على ذلك النظام الصالح إلى النمو والازدهار في كل ناحية من نواحي الحياة.
إن الصفقات القبيحة التي قد تولدت في الناس بفضل الربا، لها جذور متأصلة ومقتضيات قوية في قلوبهم لا يمكن انتزاعها في أي مجتمع من المجتمعات بفعالات ناقصة ومشاريع تافهة سطحية، بل لا بد لهذا الغرض أن يستعان بجميع التدابير والإجراءات التي يقررها الإسلام وأن يصارع الربا في كل ميدان من ميادينه بنفس الإخلاص والتجرد الذي يريده الإسلام، لا يكتفي الإسلام بذم الربا والتنديد بمعايبه على الوجه الخلقي وحسب، بل هو يبغضه إلى النفوس وينفرها عنه بتحريمه عن الوجهة الدينية في جانب، ويلغي نظامه ويبطل الصفقات الربوية بموجب القانون ويعد أخذ الربا وإعطاءه وكتابته والشهادة به جريمة من اختصاص الشرطة أن تتدخل في شأنها ( Cognisable Offence) ويعاقب مرتكبيه بالقتل ومصادرة المممتلكات إن كانوا لا ينتهون عنه بعقوبات هينة حيثما تقوم سلطته السياسية ونفوذه الحكومي في الجانب الآخر، ويؤسس نظامًا جديدًا للمالية بفرض الزكاة وتكليف الحكومة بجمعها وتوزيعها في الجانب الثالث، ويعنى بإصلاح عامة الناس وتعليمهم وتربيتهم بوسائل الدعوة والنشر حتى تكبت في نفوسهم تلك الصفات والميول التي تحملهم على أخذ الربا وإعطائه وتنمو فيهم مكانها صفات