الصفحة 72 من 85

يجدر بنا قبل أن نأخذ في الكلام على هذا السؤال، أن نزيل عن الأذهان بعض ما قد يخالجها من الشبهات لا في هذا الصدد وحده بل في كل شأن من شؤون الإصلاح العملي.

فالشبهة الأولى بهذا الصدد هي ما ينشأ السؤال المذكور على أساسها، الحقيقية أن سؤال الناس، بعد اعتقادهم الخطأ في شيء"هل هناك من مندوحة عنه"؟ وسؤالهم بعد اعتقادهم الصواب والحق في مقترح من مقترحات الإصلاح"هل من الممكن العمل به"؟ لا معنى له -بكلمة صريحة- إلا أنهم يظنون أن هناك في ملكوت الله خطأ لا بد منه وأن فيه نوعًا من الحق لا يمكن العمل به.

ليس سؤالهم هذا في حقيقة الأمر إلا سحبهم الثقة بالفطرة ونظامها، ومعناه أننا نعيش في نظام فاسد للكون قد عُلقت فيه بعض حاجاتنا الحقيقية بالأخطاء والمفاسد وأغلقت دوننا أبواب بعض الحسنات بل الذي يدل عليه هذا القول حتمًا أن الفطرة -في حد ذاتها-خُلقت على الاعوجاج والزيغ وأن كل شيء خاطئ بموجب قوانينها، هو النافع المهم وبه يمكن العمل وأن كل شيء صحيح بموجب قوانينها هو الضار ولا يمكن أن يعمل به في نظامها.

فهل حقًا تبرهن عقولنا وعلومنا وتجاربنا التاريخية من أن طبيعة الفطرة تستحق سوء الظن والفهم على مثال هذا الوجه؟ وهل من الحقيقة أن الفطرة تعادي البناء والإصلاح وتحامي عن الهدم والفساد؟ فإذا كان الأمر كذلك، فبطن الأرض خير من ظهرها، وعلينا إذن أن نضرب عرض الحائط كل ما لنا من الآراء في صحة مختلف الأشياء وخطئها لأنه لا يبقى لنا إذن في هذا الكون بارقة من الأمل. ولكن إذا كان الواقع هو كذلك ولا شك- أن فطرتنا وفطرة هذا الكون لا تستحق هذا الاحتقار وسوء الظن، فعلينا أن ننفض أيدينا من هذا الاتجاه الغريب للفكر، ونمسك عن القول بأن الشيء الفلاني على كونه سيئًا لا بد منه، وأن الشيء الفلاني على كونه حقًا، لا يمكن العمل به.

الحقيقة في هذا الشأن أن كل طريق -صحيحًا كان أو غير صحيح- إذا نال الرواج في الدنيا مرة، تتعلق به الشؤون الإنسانية ويكاد يبدو من المستحيل في أعين الناس أن يُستبدل به طريق غيره، وأن ليست الصعوبة إلا في إحداث الانقلاب، وليس للسهولة سبب غير الرواج، ولكن السفهاء ينخدعون بذلك ويقولون إن خطأ قدّر له الرواج مرة في الناس، لا يمكن أن تسير الشؤون الإنسانية إلا به وأنه ليس في الدنيا طريق يمكن به العمل سواه.

والشبهة الثانية في هذا الباب منشؤها أن الناس لا يدركون الأسباب الأصلية لما في إحداث الانقلاب من الصعوبة فيأتون يتهمون بالعقم وعدم الإمكان كل مقترح لإحداثه. ولعمر الحق إنك لن تقدّر الإمكانيات الصحيحة للسعي الإنساني ما دمت ترى كل مقترح بإحداث الانقلاب في النظام الراهن الجاري غير قابل للعمل به، فإن الدنيا التي قد نُفِّذ فيها فعلًا اقتراح غريب متطرف كاقتراح إلغاء نظام الملكية الفردية واستبدال نظم الملكية الجماعية به، من اللغو أن يقول فيها أحد أن المقترح المعتدل السوي لإلغاء الربا وتنظيم الزكاة شيء لا يمكن العمل به. ومن المسلم به الذي لا يداخله شك أن لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت