الصفحة 69 من 85

إذا أدركت هذه القواعد، فتفكر إلى أي حد يجوز التخفيف من شدة أحكام الشريعة في مسألة الربا:

1 -إن أخذ الربا وإعطاءه ليسا بمنزلة سواسية في نوعهما، فإن الإنسان قد يضطر إلى إعطاء الربا بعض الأحيان ولكن ما هناك شيء يضطره في حقيقة الأمر إلى أخذ الربا وأكله، لأنه لا يأخذ الربا إلا الغني، فأي اضطرار قد يعرض للغني حتى يضطره إلى استحلال ما حرم الله؟

2 -لا تدخل كل ضرورة في باب الاضطرار بالنسبة للاستعراض بالربا، فإن التبذير في مجالس الزواج ومحافل الأفراح والعزاء ليس بضرورة حقيقية، وكذلك ليس اشتراء السيارة أو بناء المنزل بضرورة حقيقية، وكذلك ليس استجماع الكماليات أو تهيئة المال لترقية التجارة بأمر ضروري. فهذه وأمثالها من الأمور التي قد يعبر عنها"بالضرورة"و"الاضطرار"ويُستقرض لها المرابون آلافًا من الليرات، لا وزن لها ولا قيمة في نظر الشريعة، والذين يعطون الربا لمثل هذه الأغراض آثمون. فإذا كانت الشريعة تسمح بإعطاء الربا في حالة الاضطرار فإنما هي حالة قد يحل فيها الحرام كأن تعرض للإنسان نازلة لا بد له فيها من الاستقراض بالربا أو حلت به مصيبة في عرضه أو نفسه أو يكون يخالف خوفًا حقيقيًا حدوث مشقة أو ضرر لا قبل له باحتمالها. ففي مثل هذه الحالات يجوز للمسلم أن يستقرض بالربا ما دام لا يجد سبيلا غيره للحصول على المال، غير أنه يأثم بذلك جميع أولي الفضل والسعة من المسلمين، الذين ما أخذوا بيد أخيهم في مثل هذه العاهة النازلة به حتى اضطروه إلى استقراض المال بالربا. بل أقول فوق ذلك إن الأمة بأجمعها لا بد لها أن تذوق وبال هذا الإثم، لأنها هي التي غفلت وتقاعست عن تنظيم أموال الزكاة والصدقات والأوقاف، مما نتج عنه أن أصبح أفرادها لا يستندون إلى أحد ولم يبق لهم من بد من استجداء المرابين عند حاجاتهم.

3 -لا يجوز الاستقراض حتى عند الاضطرار إلا على قدر الحاجة، ومن الواجب التخلص منه ما استطاع الإنسان إليه سبيلًا، لأنه من الحرام قطعًا أن يعطي قرشًا واحدًا في الربا بعد ارتفاع حاجته وانتفاء اضطراره. أما: هل الحاجة شديدة أم لا؟ وإذا كانت، فإلى أي حد؟ ومتى قد زالت؟ فكل هذا مما له علاقة بعقل الإنسان المبتلي بمثل هذه الحالة وشعوره بمقتضى الدين والمسؤولية الأخروية، فهو على قدر ما يكون متدينًا يتقي الله ويرجو حساب الآخرة، يكون معتصمًا بعروة الحيطة والورع في هذا الباب.

4 -والذين يودعون أموالهم لدى المصارف أو يستأمنون في شركات التأمين أو يضطرون إلى المساهمة في الأموال الاحتياطية تحت قاعدة من القواعد، بناء على اضطراراتهم التجارية أو حفظًا لثروتهم أو ابتغاء للطمأنينة على مستقبلهم لأجل الفوضى القومية الحاضرة، من اللازم بالنسبة لهؤلاء جميعًا أن لا يحسبوا أنفسهم مالكين إلا لرأسمالهم، وأن يؤدوا حتى زكاة رأسمالهم هذا بحساب 2/ 1 2%سنويًا، لأن ثروتهم المجموعة لا تكون لهم بدون كل هذا إلا نجسة، بشرط أن يكونوا متقين لله لا متعبدين للمال.

5 -لا يجوز للمسلم أن يترك للرأسماليين ما يزيد في حسابهم من مال الربا في المصرف أو شركة التأمين أو الأموال الاحتياطية، لأنه سيقوي ساعد هؤلاء المفسدين، فالطريق الصحيح أن يأخذ منهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت