الصفحة 43 من 85

مستقلين. وقد ارتكزت في أيديهم اليوم ثروة البلاد من أقصاها إلى أقصاها. فتجد اليوم عشرات ومئات الملايين من الجنيهات تتكدس في مصرف واحد ولا يكون هناك إلا عدد قليل من الرأسماليين هو الذي يستولي عليها ويتصرف بها كما يشاء. ولا يحكم بهذا الطريق بلاده ولا يتملك ناصية حياتها الاقتصادية والمدنية والسياسية وحدها، بل يحكم الدنيا قاطبة ويلعب بمقاديرها ويستغل لأغراضه حياتها الاقتصادية والمدنية والسياسية بمنتهى الأثرة وتحجر القلب.

ولكم أن تقدروا مبلغ هؤلاء الرأسماليين من القوة والنفوذ، بأنه ما كان عند عشرة مصارف في الهند قبل تقسيم البلاد إلا 170 مليون روبية ولكن كانت الودائع قد بلغت فيها 6200 مليون روبية. وكان عدد قليل - لا يتجاوز 150 - 200 شخص على الأكثر- من الرأسماليين مستوليًا عليها وعلى إرادتها وسياستها. وما كان شيء غير الطمع في الفائدة جعل مئات الألوف من الناس يهيئون هذا المبلغ الكبير من المال ويسلمونه إلى الرأسماليين، ولا يهمهم بعد ذلك في قليل ولا كثير كيف وعلى أي المبادئ ولأي الأغراض يستعمل أولئك هذا السلاح القوي؟ ولكم أن تقدروا بذلك أي أثر خطير قد تركه هؤلاء الرأسماليون في تجارة البلاد وصناعتها ومعيشتها وسياستها ومدنيتها، وأنه هل يكون هذا الأثر قد عمل لمصلحة البلاد وأهاليها أم لمصلحة هؤلاء الرأسماليين المحبين لذواتهم؟

نعم. إني لأبين لكم كل هذا عن بلاد ليس عهدها بتظيم الرأسماليين إلا حديثًا ولا يبلغ مجموع الودائع في صناديق مصارفها أكثر من نصف جنيه لكل فرد من أهاليها بالمعدل، ولكن تصوروا كيفية ارتكاز الثروة وتجمعها في مصارف البلاد الغربية التي قد بلغ فيها المعدل ألفين بل ثلاثة آلاف مرة منه في بلادنا الشرقية. لقد كان هذا المعدل في المصارف التجارية وحدها حسب إحصاء سنة 1936 م في أميركا 1317 جنيهًا وفي انكلترًا 1664 جنيهًا وفي سويسرا 275 جنيهًا وفي ألمانيا 212 جنيهًا وفي فرنسا 165 جنيهًا. فعلى هذا النطاق الواسع يسلم أهالي تلك البلاد أموالهم المدخرة إلى رأسماليهم، وعلى هذا النطاق الواسع تنجذب الثروة من كل بيت من بيوتها لترتكز في أيد قليلة. ثم إن الذين ترتكز في أيديهم هذه الثروة ليسوا بمسؤولين أمام أحد مسترشدين إياه غير نفوسهم ولا مراعين شيئًا غير أهوائهم، وإنما يدفعون الكراء على ما يرتكز في أيديهم على الثروة بشكل"الفائدة"ويتملكونها فعلًا ويلعبون على أساس قوتها بمقادير الأمم والشعوب: يحدثون القحط حيث يشاؤون، وينزلون الأمطار الغزيرة حيث يشاؤون، وينشبون الحرب، ويعقدون مجالس الصلح، متى أرادوا، ويروجون في الجمهور كل شيء يرونه نافعًا من وجهة نظرهم المتكالب على المال، ويحرمون كل شيء يرونه لا يتفق مع مصالحهم المادية من الوسائل والمساعدات. فهم ليسوا بمسؤولين على الأسواق فحسب، بل لهم كلمة نافذة وحكم لا مرد له في معاهد العلم والفن ومراكز التحقيق العلمي ودوائر الصحافة وصوامع الديانة ودور الحكومة كلها أيضًا لأن فضيلة قاضي الحاجات -المال- قد التجأ إليهم والتحق بحلقتهم.

هذا هو البلاء الأكبر الذي علا عويل أصحاب الفكر من أهل الغرب أنفسهم على ما يجر إلى الإنسانية البائسة من الويلات والمهالك، وأخذ يرتفع ثمة من مختلف الجهات الصوت بأن ارتكاز هذا القدر العظيم من وسائل القوة في يد طبقة صغيرة مستأثرة ليست بمسؤولة أمام أحد، مدمر لكيان الجماعة وقاض على مقومات حياتها. أما نحن أهل الشرق، فلا يزال يبدأ القول عندنا ويعاد بأن المراباة النجسة إنما هي تلك التي كان يتعاطاها الأفراد الجالسون على الأرض في الزمن القديم، وأما صيرفي اليوم المستنير المتربع على الكرسي الراكب في السيارة، فإن مهنته التي يتعاطاها مشروعة طاهرة لا تشوبها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت