وعلينا أن ننظر الآن في هذه المسألة من الناحية المدنية والاجتماعية لا يكاد يختلف اثنان في أن المجتمع الذي يتعامل أفراده فيما بينهم بالأثرة، ولا يساعد فيه أحد غيره إلا أن يرجو منه فائدة"راجعة"على نفسه، ويكون فيه عوز واحد ما وضيقه وفقره فرصة يغتنمها غيره للتمول والاستثمار، وتكون مصلحة الطبقات الغنية الموسرة فيه مناقضة لمصلحة الطبقات المعدمة، لا يمكن أن يقوم ويظل قائمًا مثل هذا المجتمع على قواعد محكمة أبدًا، ولا بد أن تبقى أجزائه ماثلة إلى التفكك والتشتت في كل حين من الأحيان. ثم إذا عاونت على هذه الوضعية الأسباب الأخرى أيضًا، لا تلبث هذه الأجزاء تتحارب وتتشابك فيها بينها. ولكن بالعكس من ذلك؛ إن المجتمع الذي يقوم بناؤه على التعاون والتناصح والتكافل ويتعامل أعضاؤه فيما بينهم بالكرم والسخاء، ولا يكاد يحس فيه أحدا أن أحدًا من إخوانه في حاجة إلى مساعدته، إلا سارع إلى الأخذ بيده، وعامل فيه الأغنياء إخوانهم الفقراء بالإعانة متطوعين أو بالتعاون العادل على الأقل، لا بد أن تنشأ وتنمو صعدًا عواطف التحاب والتناصح والتناصر في قلوب أفراد مثل هذا المجتمع وتبقى أجزاؤه متكافلة متساندة فيما بينها ولا تتطرق إليه عوامل التنازع والتصادم الداخلي أبدًا، وأن يكون أسرع كذلك إلى الرقي والكمال والازدهار من المجتمع الأول.
وقس على ذلك ما تتصل به مختلف أمم الأرض وشعوبها من العلائق الدولية فيما بينها، فإنه من المستحيل إذا عاملت أمة أمة مجاورة لها بالعطف والكرم وسعة القلب والمواساة وكلما نزلت بها نازلة من الدهر، أن تلقى منها الجواب على بِرّها بها، بشيء غير الشكر والحب والإخلاص. ولكن إذا عاملت هذه الأمة جاراتها بالأثرة والقسوة وضيق القلب واستغلت مصائبها وشدائدها، فقد تنال بذلك منفعة مادية كبيرة بصورة المال، ولكن لا يمكن بحال أن يبقى لها في قلب جاراتها شيء من عواطف الحب والصداقة والإخلاص. وهل أتاك حديث انكلترا إذا طلبت من أميركا بعد الحرب العالمية الأخيرة أن تعقد معها اتفاقية دين كبير يعرف باتفاقية برتين وود، ويبان ذلك أن انكلترا كانت تريد من أميركا -وقد كانت حليفتها في الحرب- أن تمن عليها بالقرض بدون شيء من الربا، ولكن أميركا ما رضيت بذلك، وأبت أن تقرضها إلا بالرباء، واضطرت انكلترا لمشاكلها العديدة أن ترضى كرهًا بأداء الربا، واضطرات انكلترا لمشاكلها العديدة أن ترضى كرهًا بأداء الربا. وأما الأثر الذي تركه ذلك في الشعب الانكليزي فلك أن تعرف مداه من الكتابات والخطب التي أملتها أقلام الساسة والصحفيين الكبار من الانكليز في ذلك الزمان. فإن مما قاله اللورد كينز الراحل وهو يلقي خطبته في دار الشيوخ بعد رجوعه من أميركا بعد عقد هذه الاتفاقية -باعتباره ممثلا لللشعب الانكليزي-"لا أستطيع أن أنسى أبد الدهر ذلك الحزن الشديد والألم المرير الذي قد لحق بي من معاملة أميركا إيانا في هذه الاتفاقية، فإنها أبت أن تقرضنا شيئًا إلا بالربا"وكان مما قاله المستر تشرشل وهو ممن لا يخفي حبهم لأميركا وميلهم إليها"إني لأتوجس خلال هذا السلوك العجيب المبني على الأثرة وحب المال الذي عاملتنا به أميركا، ضروبًا من الأخطار. والحق أن هذه الاتفاقية قد تركت أثرًا شيئًا جداُ فيما بيننا وبين أميركا من العلاقة"وقال الدكتور دالتن وزير المالية في ذلك الزمان وهو يعرض هذه الاتفاقية على البرلمان لنيل مصادقته عليها:"إن هذا العبء الثقيل الذي نخرج من الحرب وهو على ظهورنا، جائزة عجيبة جدًا نلناها على ما عانينا في الحرب من الشدائد والمشاق والتصحيات لأجل الغاية المشتركة، وندع للمؤرخين في المستقبل أن يروا رأيهم في هذه الجائزة"