علينا أن نتناول هذا البحث أولا من الناحية الأخلاقية والروحية، فإن الأخلاق والروح هما جوهر الإنسانية وملاك أمرها. فكل شيء إذا كان يضرنا في صميم هذا الجوهر، جدير بالرفض ولا يصلح لأن نأخذ به أبدًا ولو كانت فيه منافع كثيرة من أي ناحية أخرى، فإذا نظرنا في الربا وجزأناه تجزئة نفسية تبين لنا لأول وهلة أن الربا لا يبدأ فيه العمل الذهني كله -من رغبة الإنسان في جمع المال إلى مختلف مراحل حياته الاقتصادية -إلا منطبعًا بتأثير الأثرة والبخل وضيق الصدر وتحجر القلب والعبودية للمال والتكالب على المادة وما إليها من الصفات الرذيلة الأخرى، ثم لا ينفك يجري هذا العمل تحت مثل هذه الصفات ويؤصلها في الإنسان على قدر ما يتقدم ويقطع من مراحل النجاح في تجاربه الربوية -ولكن- بالعكس من ذلك- إذا نظرت في الشؤون المالية القائمة على الزكاة والصدقات، وجدت العمل الذهني كله- منذ أن ينوي الإنسان أداء الزكاة والصدقة إلى أن يؤديها فعلًا -لا يحصل إلا منطبعًا بصفات الكرم والسخاء والإيثار والمواساة والمناصحة وسعة القلب ورحابة الصدر وعلو الهمة وما إليها من الصفات الشريعة الأخرى، ثم لا تزال تنشأ وتتأصل هذه الصفات في الإنسان ما سلك هذا الطريق في حياته. وهل في الدنيا رجل لا يشهد له قلبه أن الأولى من هاتين المجموعتين شر مجموعة للصفات الخلقية وأن الأخرى خيرها؟