ثم إن البحث الذي يثيره محامو الربا بعد ذلك هو أن الربا حاجة اقتصادية وله منافع لا يمكن حصولها بدونه، وهاك فيما يلي، خلاصة البراهين التي يؤيدون بها دعواهم:
1 -إنما يتوقف الاقتصاد الإنساني في جميع فعالاته على اجتماع المال، ولا يمكن أن يجتمع إلا بأن يضيق الناس دائرة حاجاتهم ويكبحوا من جماح رغباتهم، ولا ينفقوا على أنفسهم كل ما يكسبون ويقتصدوا في الانفاق ويوفروا جانبًا من مكاسبهم. وهذا هو الطريق الوحيد لاجتماع المال وادخاره، ولكن لا يتيسر للإنسان أن يرضى بتضييق دائرة حاجاته والكبح من جماح رغباته والاقتصاد في إنفاقه إذا كان لا ينال على هذا الضبط للنفس شيئًا من الأجر؟ فالربا هو"الأجر"الذي يحمل رجاؤه الناس على الاقتصاد في نفقاتهم والتوفير من أموالهم، وإنكم إذا حرّمتموه عليهم، فلا بد أن ينقطع الناس عن ادخار ما يفضل من دخلهم مع أنه هو الوسيلة الوحيدة لاجتماع المال لمختلف الحاجات الفردية والجماعية.
2 -إن أسهل طريق لدفع المال إلى الفعالات الاقتصادية أن يظل مفتوحًا في وجه الناس باب إعطاء ما يفضل عندهم من أموالهم بالربا. وهكذا فإن الطمع بالربا يجعلهم يدخرون المال، وهو الذي لا يزال يحملهم على ألا يهملوا ما يتوفر عندهم من أموالهم ويسلموه إلى من يوظفونه في التجارات والصناعات وغيرهما من الشؤون المثمرة، ويأخذوا منهم الربا بسعر يتم الاتفاق عليه بينهم وبينهم. وأما إغلاق هذا الباب، فما معناه أن ينعدم عامل من أهم عوامل اجتماع المال فحسب، بل معناه كذلك ألا يسخّر أصلًا ما يفضل عند الناس من أموالهم للاستغلال في التجارة والصناعة.
3 -ليس ما يسديه الربا من الخدمات إلى الإنسانية أنه يحمل الناس على جمع المال. ثم يسخر هذا المجموع للانتفاع به في الفعالات الاقتصادية المثمرة فحسب، بل هو الذي يحول بينه وبين أن يستعمل في طرق غير نافعة، وإن سعره هو الذي ينظم الاقتصاد على أحسن الخطوط وأقومها ويجعل رأس المال لا يتوظف على مختلف المشاريع التجارية أو الصناعية إلا في أثمرها جلبًا للمنفعة والربح ولا نكاد نعرف طريقًا آخر غير الربا يميز النافع من غير النافع والأنفع من النافع من بين مختلف المشاريع العملية، ثم يوجه المال إلى أنفعها وأكثرها جلبًا للربح. وإنكم إذا ألغيتم الربا، لا يكون من نتيجته إلا أن يصبح الناس ينفقون أموالهم غير مكترثين للعواقب، أو إذا اكترثوا لها مثلًا -يوظفونها في ما يشاؤون من الشؤون المالية النافعة وغير النافعة بدون أي اهتمام بالربح أو الخسارة.
4 -ولا شك أن الدين من حاجات الحياة الإنسانية التي لا بد منها للأفراد ولا للجماعات ولا للحكومات. فالأفراد تمسهم الحاجة إلى الاستقراض لشؤونهم الشخصية، كما أن التجار في حاجة إليه دومًا، ولا يمكن أن تسير بدونه شؤون الحكومات البتة. فكيف يمكن أن يحصل الدين بهذه الكثرة على النطاق الواسع بالصدقات والتبرعات فحسب، لأنكم إذا لم تغروا أصحاب الأموال بالربا ولم تجعلوهم مطمئنين إلى أن الربا لن يزال يحصل لهم مع رأسمالهم، فقلما يرضون الإقراض، مما يؤثر تأثيرًا سيئًا في الحياة الاقتصادية بأسرها. إن الرجل البائس في هذه الأيام يحصل من المرابي ما يمسك به رمق حياته ويقضي به حاجاته في أيام العسر والبؤس، وما ذلك إلا بفصل الربا فقط، فإن المرابي لولا طمعه في الربا، لما أقرضه أبدًا، ولا بد عندها أن تبقى حاجته غير مقضية مهما كان احتياجه شديدًا. وكذلك فإن