ففي أعقاب نمو الصحوة الإسلامية في العقدين الأخيرين، وإقبال الناس من مختلف الفئات والطبقات على دين الله إيمانا، والتزاما، وسلوكا تصاعدت قوة الإسلام وأهله، وصار الكل يخطب ودهم، ويتحاشى الاصطدام معهم عقائديا وفكريا، فتغير شكل الصراع، وخططه، فبدلا من الهجوم السافر على الإسلام عقيدة وشريعة بالطعن الصريح، والوصف القبيح بالرجعية، والجمود، والظلامية، والتخلف، هذا الهجوم الذي استمر عقودا، ولم يؤت أكله، ولم يثبت جدواه في صد الناس وتنفيرهم كلية من دينهم. لجأ بعض المؤولين إلى أسلوب آخر أشد فتكا ولكن أقل إثارة لمشاعر المسلمين، وذلك بانتهاج سياسة الهدم من الداخل وتقويض المفاهيم والمسلمات الدينية، والتشكيك في الأسس التي قام عليها الإسلام وشريعته.
وهذه المرة ليسوا بصفتهم أعداء ينقدون، و يطعنون من خندق مواجه، بل تزيّوْا بزي الإسلام، واستخدموا أسلحته، ورفعوا شعاراته، فنادوا بضرورة تجديد الدين وعصرنته، وضرورة نقد التراث وغربلته، وإعادة بناء الثقافة وفق أسس عصرية، مستلهمين التراث الإسلامي والإرث الحضاري لهذه الأمة ... الخ الصياغات الضبابية الباطنية التي تختفي تحت عباءة التجديد والعصرنة والقراءة المعاصرة للتراث.
كل ذلك بعد أن أفنى كثير منهم أعمارهم في أحضان الماركسية، والقومية، والعلمانية. ينظِّرون لها، وينافحون عنها ويطعنون على مخالفها، وفجأة تحولوا بمؤامرة مدبرة (1) إلى دعاة للإسلام، ولكنه إسلام عصري متنور منفتح (!) على الثقافات والحضارات الأخرى يستوعبها ويحتويها. هذه هي قصة وحركة التأويل المعاصرة وخلفيتها.
أسباب اختيار الموضوع
(1) راجع: جمال سلطان: تجديد الفكر الإسلامي ص33، 37، حيث عقد المؤتمر التأسيسي الأول لجبهة العلمانية في عام 1974م، برعاية جامعة الكويت تحت عنوان"أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي".