وقد تقرر في الأصول أن كثرة الرواة من المرجحات، وكذلك كثرة الأدلة. وترجحت باشتهار أصحابها بالحفظ فإن فيهم أبا هريرة وأبا سعيد الخدري وغيرهما (1) .
خامسا: حكم الربا ثابت مطرد وليس معللا
وقد عد الشيخ رشيد رضا وغيره أن علة تحريم الربا هي الظلم والاستغلال كما سبق، والمفهوم أنه إذا كانت المعاملات الربوية خالية من الظلم و الاستغلال حسبما تراه عقولنا، فإنها تنقلب إلى معاملات جائزة.
والصحيح أن:"حكم الربا ثابت غير معلل ذلك أنه لم يرد من الشارع ما يشير إلى العلة في هذا الحكم، وإنما عبر الشارع عن الربا بأنه أكل للمال بالباطل دون بيان للسبب الذي من اجله قرر هذا الحكم والمقصود هنا بالعلة العلة الشرعية والتي عرفها العلماء بأنها الشيء الذي من اجله شرع الحكم"وليس المقصود هو الحكمة، فالحكمة هي قصد الشارع من تشريع الحكم، فهي نتيجة تطبيق الحكم، وقد تختلف وقد لا تختلف، وفي غياب بيان من الشارع عن قصده تبقى الحكمة أمرا تقديريا يختلف باختلاف الناس، فقد يدرك الإنسان الحكمة في تحريم لحم الخنزير وقد لا يدركها، وأيا كان الحال لا يربط بإدراكه هذا حكم تحريم لحم الخنزير.
وكذلك قد يستقرئ الإنسان الحكمة في تحريم الربا أو جوانب منها، وقد يدرك الظلم في بعض معاملات الربا وقد لا يدركه، لكن هذا الاستقراء وهذا الإدراك لا علاقة له بحكم الربا من جهة ثبوته أو زواله. وهذا على عكس العلة فإن الحكم مربوط بها ويزول بزوالها فهي كما قال الفقهاء تدور مع المعلول وجودا وعدما. أي يثبت الحكم المعلل على الشيء بوجود العلة فيه، وينفي بانتفاء العلة منه" (2) ."
وتعليل تحريم الربا بالظلم باطل، لأنه يؤدي إلى تعطيل الحكم إن تخيل الإنسان انتفاء الظلم من معاملة ربوية معينة، وقد مر معنا أن العلة إذا عادت على أصلها بالإبطال كانت باطلة.
(1) أضواء البيان 1/166.
(2) رد على مفتريات حول حكم الربا وفوائد البنوك ص47-48.