الصفحة 6 من 72

وسقط ذلك العالم من حسابي، فما ذكرته بخير حيا، ولا ترحمت عليه ميتًا، ولا عددت موته ـ كموت العلماء ـ ثلمة في الإسلام! [1] ...

ما ظلم الله العلماء، ولكن ظلموا أنفسهم؛ ولم يشكروا نعمة العلم، فسلبهم الله ثمراته من العزة والسيادة، والإمامة والقيادة؛ وكان لخلو ميدان السلطة والأمر منهم أثر فاتك في عقائد المسلمين وأخلاقهم؛ وكان من نتائجه إلقاء الأمّة بالمقادة إلى من يُضلّ ولا يهدي من المشعوذين الدجالين. فأضلوها عن سواء السبيل، ومكنوا فيها للداء الوبيل، وأعضلُ أنواعه الاستعمار، الذي وجد منهم مطايا ذُللا سماحًا إلى غاياته الخبيثة في الإسلام والمسلمين.

ولو كان العلماء هم القادة، وكانوا أحياء الضمائر والمشاعر، وكانوا ـ كما كانوا شداد العزائم والإرادات، لوجد منهم الاستعمار في مشارق الإسلام ومغاربه حصونًا تصدّ، ومعاقل ترد.

أما والله ـ ألية المسلم البر, وسريرة الضمير الحر ـ لا ترجع هيبة العلماء إلى مستقرها من نفوس الأمّة حتى يقوموا بعهد الله في بيان الحق، ويتظافروا على حرب البدع والضلالات التي لابست الإسلام، ولبست عقائده ففسدت، وآدابه فكسدت، ولبستْ على المسلمين دينهم فأصبحتْ حقائقه في واد، وعقولهم في واد، وحتى يَجلوا على الأمّة تلك الكنوز الدفينة في كتاب الله كتاب الإنسانية العليا، وفي سيرة محمد دستور الحق والخير والكمال.

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ الحمد لله نحمده، و نستعينه و نستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا.

من يهده الله فلا مضل له، و من يضلل فلا هادي له.

و أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له و أشهد أنّ محمدا عبده و رسوله.

أمّا بعد: في ظل الصراع المحتدم بين الحق و الباطل في هذا العصر العصيب، و بعدما تمكّن أهل الباطل من السيطرة على حكام المسلمين، علموا أنّهم لن يضفروا بالنصر مادامت طائفة من هذه الأمّة متمسّكة بمصدر قوّتها و عزها فيحاولون جهدهم لمسخ هويّة هذه الأمّة، وذلك بإبعادها عن مصدر قوّتها، و هو دينها، و لمّا عجزوا في كثير من المرّات من تحريف نصوص الشرع - أي القرآن و السّنة - لحفظ الله تعالى لها، يحاولون الآن تحريف مفاهيم هذه النصوص، و ذلك إمّا بإحداث تفسيرات جديدة مناقضة و معارضة لفهم السلف، و إمّا بإتباع زلاّت بعض العلماء ليُلفقوا على إثر ذلك منهجا جديدا لفهم النصوص، سخروا من أجل ذلك أموالا و طاقات بشرية هائلة، و لا يتمّ لهم النجاح إلاّ بتلميع من يساعدهم على هذا الدور من طلبة العلم و المشايخ سواء بعلم ذاك المساعد أو بدون علمه، و في المقابل تقزيم و تضييق على كلّ من تفطن لكيدهم من المشايخ و طلبة العلم و نبّه الأمّة عن مخططاتهم.

قال [2] العلاّمة المعلّمي: كثرت الخدع و إنتشرت البدع و عُبد الهوى و بئس المعبود، و إشتبه المحمود بالمذموم، و المذموم بالمحمود، و كانت البليّة العظمى، و الرّزية الكبرى قلّة العلماء و تقاعدهم عن نصر الحق، ما بين خوّار يخاف الناس أشدّ من خوف الله، و جبّار يرغب في الشهرة و السمعة و الجاه، و مفتون بحب الحطام، ... و خوف الفطام، و آخر و آخر لا نطيل بذكرهم، و لا نبالغ الآن بهتك سترهم. لا جرم إتّخذ الناس رؤساء في الدّين جهّالا، فلم يألوا أنفسهم و غيرهم خبالا، فلا يكاد يُرى لهم رادع، و لا لأنوفهم جادع، بل و لا قادع.

إذا غاب ملاّح السفينة و إ رتمت ... بها الريح يوما دبّرتها الضفادع

(1) - ماذا لو رأى رحمه الله تعالى بعض علماء هذا الزمان كيف يقبّلون أيدي أو رؤوس أو اكتاف من بدّل شرع الله و حكّم القوانين الوضعية، و فرض ذلك كلّه على الأمّة بالقوّة، حسبنا الله و نعم الوكيل.

(2) - صدع الدّجنة في فصل البدعة عن السنّة، ص: 7 - 8

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت