الصفحة 5 من 72

بقي العلماء ـ مع ذلك ـ ظاهرين على الحق، يتولون القيادة الحقيقية للأمّة في غير ما يمس السلطان المادي الزائف، وكانوا أيقاظًا لكلّ حدث يحدث في الإسلام، وكانوا كلّما رأوا شبحَ بدعة خفوا إلى إزالتها، وكلّما أحسوا بضلالة ومنكر في الدّين بادروا إلى تغييره بالفعل والقول: يُحسم لهم الإحتياط الصغائر فيعاملونها معاملة الكبائر؛ لا يتساهلون ولا يترخصون، سدًا لذرائع الفتنة والضلال؛ وكانوا يصدرون في أعمالهم وأحكامهم عن الكتاب والسنة، فيصدرون عن الدليل الّذي لا يضل، ويستندون إلى الحجّة التي لا تدحض، وكانت الأمّة ترجع إليهم، فترجع إلى وحدة متماسكة في الدّين لا تتفرق بها السبل، ولا تتشعب الآراء؛ إلى أن فتنتهم المذاهب والخلافات الجدلية في أصول الدّين وفروعه، وغطت عليهم العصبيات المذهبية وجه الحق، فرأت منهم العامّة غير ما كانت ترى من وحدة في الدّين، عاصمة لوحدتها في الدنيا، ووحدة في العلم، عاصمة من تفرقها في المصالح؛ وجروها إلى ما هم فيه من خلاف، فجرتهم إلى ما هي فيه من فساد؛ وضعف لذلك سلطانهم عليها، فتوزع أمرَها أمراء السوء الظالمون، وقادة السوء الجاهلون، واجتمع هؤلاء على قصد واحد وهو استغلال العامّة فاصطلحوا.

لم يزلْ أمراءُ السوء يكيدون للعلماء حتى زحزحوهم ـ مع تطاول الزمن ـ عن مكان القيادة الروحية للأمّة، وصرفوهم عنها واستبدلوا بهم في استمالة الدهماء، والعامّة قادة لبسوا لبوس الدّين ليغروا باسمه، وزهدوا في العلم إذ ليسوا من أهله، واستمدوا قوّتهم من قوة الأمراء؛ وتقارض الفريقان الشهادات بالتزكية والتراضي على المنافع والسكوت عن المنكر؛ هؤلاء يُضلونها، وهؤلاء يُذلونها، والإضلال في الدّين وسيلة الإذلال في الدنيا؛ واستنامت الأمّة على الهدهدة باسم الدّين، وعلى الاغترار بما يزينون لها من الجهل، وما يقبحون لها من العلم, وما يقربون لها من طرق الجنّة, وهم في ذلك كلّه لا يقربونها إلى الله إلاّ بما يبعدها عنه من بدع ومحدثات؛ والعلماء في هذه المرحلة غافلون يغطون في نومة أرْبت في الطول عن نومة أصحاب الكهف والرقيم، إلى أن فتحوا أعينهم على دين غير الدّين، فشبهَ لهم؛ وأصبحوا تابعين، بعد أن كانوا متبوعين، وأصبحوا يُزكون بعملهم ذلك الجهل ويشهدون لأولئك القادة الجاهلين بالكمال والفضل؛ ولأولئك المبتدعين بما انتحلوه لأنفسهم من الولاية والكرامة، على المعنى الّذي اخترعوه، لا على المعنى الذي جاء به الدّين، ثمّ لم يكتفوا منهم بذلك حتى نحلوهم خصائص الألوهية. وشعر أولئك المبتدعة بتهور العلماء للمطامع الخسيسة، وسقوطهم على المطاعم الخبيثة، فقادوهم بزمامها؛ ثمّ شعروا بإقرارهم للمهانة والذل في نفوسهم، فأمعنوا في تحقيرهم وإغراء العامّة بهم، وأهان العلماء أنفسهم، فسهل الهوان عليهم، فأصبحوا أذلّ من يعشون عالة عليهم، ويتساقطون على فتات موائدهم، ويتطوعون لهم حتّى بأخس شهواتهم، ويشهدون لهم الزور على الله ودينه، ويحلون لهم من اللذائذ ما حرم الله، وعلى هذه الحالة أدركنا عصرنا وأهل عصرنا. والشرب مشوب من قديم، ولكن آخر الدنّ دُرْدى.

ولقد رأيت بعينيّ معًا منذ سنين في طريق مناره من تونس، عالمًا يُعدّ في الطبقة الممتازة في علماء جامع الزيتونة، يهوى بالتقبيل على يد مخرف مبتدع جاهل متعاظم، لو حُكمت لحكمتُ بأن يكون عبدًا لذلك العالم، فرأيت يومئذ كيف تُعبد الأصنام، وعلمتُ كيف يكون العالم سبةَ للعلم، وخطر ببالي قول المتنبي:

وقد هام قوم بأصنامهم***فأما بزق رياح فلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت