باب: نماذج من العلماء الربّانيين الصّادعين بالحق
فإمام الصّادعين بالحق هو محمد بن عبد الله صلّى الله عليه و سلّم و ذلك حين أمره الله جلّ و علا، فقال:"فاصدع بما تؤمر و أعرض عن الجاهلين"الحجر (94) .
و قوله:"فاصدع بما تؤمر"قال الإمام إبن كثير: أي بلّغ ما أنزل إليك من ربّك و لا تلتفت إلى المشركين الّذين يريدون أن يصدّوك عن آيات الله"و دّوا لو تدهن فيدهنون"، و لا تخفهم فإنّ كافيك إيّاهم و حافضك منهم. إنتهى
و حتّى لا يتذرّع الواحد بمرحلة الإستضعاف بتركه الصدع بالحق، فإنّ هذه الآية:"فاصدع بما تؤمر"هي مكّية أي نزلت على نبيّنا محمد عليه الصّلاة و السّلام في مرحلة الإستضعاف و مع ذلك أمر الله نبيّه بالصدع بالحق و لا يكترث بما قد يفعله المعرضون و المعارضون.
و هذا الهدي هو هدي جميع الأنبياء عليهم الصّلاة و السّلام، فما من نبيّ إلاّ و صدع بالحق و صبر على ذلك، و الّذي يتأمّل سيرة الأنبياء و خاتمهم محمد بن عبد الله عليهم الصّلاة و السّلام يجد أنّ أوّل المعارضين للحق الصّادين النّاس عنه هم كبراء القوم و سادتهم أي بلغة العصر هم الحكام، و مع ذلك لم نر من الأنبياء إلاّ الإصرار في تبليغ شرع الله جلّ و علا فصدعوا بالحق و واجهوا الكبراء بالحق و تحمّلوا الأذى في سبيل الله، و مثال على ذلك ما أخبر به ربّنا جلّ و علا: قال الله تعالى:"لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (60) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (62) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (64) "
تنبيه: و حتّى ينتبه القارئ فقول الله تعالى:"و قال الملأ من قومه"أي سادتهم و قادتهم و كبراؤهم أي الحكام.