الصفحة 48 من 72

و إدراك حقيقة الأمور يحتاج إلى فهمين، قال [1] الإمام ابن القيم: ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلاّ بنوعين من الفهم: أحدهما فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما، والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذّي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثمّ يطبق أحدهما على الآخر: فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرا. فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله أهـ

فإذا عرفنا ذلك عرفنا القاعدة الأدبية من خلال هذه الآية القرآنية، قال عبد الرحمن بن ناصر السعدي في تفسيره على هذه الآية: و في هذا دليل لقاعدة أدبية، و هي انّه إذا بحث في امر من الأمور، ينبغي أن يتولّى من هو أهل لذلك، و يجعل إلى أهله، و لا يتقدّم بين أيديهم، فإنّه أقرب إلى الصّواب و أحرى للسّلامة من الخطأ. إنتهى

فمن غير المعقول أن يستخرج العالم أحكاما مطابقة للدليل في مسائل الإقتصاد مثلا و الطبّ بدون أن يرجع إلى أهل الإختصاص ليستفسر منهم حقيقة الواقع، فكذلك الحال لا يستطيع المفتي أن يستنبط أحكاما في مسائل الجهاد و هو لم يشارك في هذا الميدان و لم يستشر أهله، و من هنا أدركنا مزالق بعض اهل العلم في كثير من المسائل المعاصرة حيث إستعجلوا في إطلاق أحكام دون إستشارة من اهل الشأن، ثمّ إذا جمع عالم بين علم الدليل و علم الإقتصاد مثلا تكون أحكامه في مسائل الإقتصاد أقرب إلى الصواب ممّن لم يجمع العلمين، و كذلك الحال عالم مجاهد أحكامه في ميدان الجهاد أقرب إلى الصّواب من غيره، و قل ذلك كذلك في مختلف المسائل المتعلّقة بالسياسة الشرعية، عالم له تصوّر بحقائق القوانين الوضعية أحكامه فيما يخصّ هذه القوانين تكون أقرب إلى الصّواب من عالم لم يدرك حقائق القوانين الوضعية و الدساتير الوطنية، و لا يجحد هذه الحقيقة إلاّ مكابر.

(1) - نفس المصدر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت