الصفحة 18 من 72

باب: ما ورد في ذمّ الدّخول على الحكام

إنّ المتتبّع لحال بعض العلماء المنحرفين في هذا العصر ليرى أنّ مكمن الداء هو الزلفى إلى الحكام، بل صار من غريب هذا الزمان أنّ بعض الأدعياء للعلم يحرصون على إرضاء الكفار الّذين إحتلّوا أرضنا و إنتهكوا أعراضنا، بل جاهروا بمحاربة ديننا و الإستهزاء بنبيّنا عليه الصّلاة و السّلام.

لمّا كانت البليّة هي الدخول إلى الحكام و إرضائهم بالفتوى المعارضة للشريعة ربّنا أحببتُ أن يكون هذا الباب مبيّنا لكلام السلف في حكم الدخول على الحكام مع الإشارة و التأمّل في الفرق بين حكّامهم و حكام هذا الزمان، و الله المستعان.

ما جاء في القرآن

قال الله تعالى:"فاستقم كما أمرت و من تاب معك و لا تطغوا إنّه بما تعملون بصير، و لا تركنوا إلى الّذين ظلموا فتمسّكم النّار و ما لكم من دون الله من أولياء ثمّ لا تنصرون"هود (الآية: 112 - 113)

أمر الله جلّ و علا نبيّه عليه الصّلاة و السّلام و عباده المؤمنين على الإستقامة و ذلك بإلتزام شرعه، و نهى عن الطغيان و البغي و ذلك بمخالفة شرعه، فالوسطية و الإعتدال حقا هو في طاعة الله و رسوله، و أنّ التطرّف و الغلوّ حقا هو في مخالفة أمر الله و امر رسوله عليه الصّلاة و السّلام، ثمّ قال سبحانه:"و لا تركنوا إلى الّذين ظلموا"قال إبن عباس أي لا تداهنوا الّذين ظلموا، ففي الآية نهي عن مداهنة الظلمة و الميل إليهم، فإنّ مداهنتهم و الميل إليهم هو الرضا بأفعالهم، و أيّ ظلم أعظم من تعطيل شرع الله و تحكيم القوانين الجائرة، أيّ ظلم بعد مناصرة الأعداء على المسلمين بحجة مكافحة الإرهاب و الله ما أرادوا إلاّ محاربة الإسلام، أيّ ظلم بعد إستباحة ما حرّم الله بحجّة الحريّات، أيّ ظلم بعد تحريم و تجريم ما أوجبه الله من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بحجّة محاربة التطرّف؟! ومن مال إليهم أي من مال إلى الظلمة إستحق العقوبة من الله جلّ و علا و لا يجد من دون الله أولياء يمنعونه العذاب و لا ناصر يخلّصهم من العقاب.

و في الآية أوضح الله جلّ و علا الحكيم الخبير العليم أنّ طريق الإستقامة يتعارض مع أسلوب الركون إلى الظلمة، فكيف بقوم بحجّة الإستقامة ركنوا بل دافعوا على الظلمة و على سياسات الظلمة بحجّة الإعتدال، بل هو التطرّف عن الحقّ، و تعدّي لحدود الله.

و لقد ترجم سلفنا الصّالح هذه الآية الكريمة في حياتهم، حيث أبى أبا حنيفة أن يتولّى القضاء حتّى قام إبن هبيرة أمير العراق في عهد بني اميّة بتعذيبه، كما تعرّض رحمه الله تعالى للتعذيب في عهد أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي الثاني، أبى أن يتولّى القضاء لأنّه بقبوله لهذا المنصب يضفي الشرعية على سلطتهم، و قد ظلّ أبو حنفية في السجن حتّى مات سنة 150 هج

و كذلك حال سفيان الثوري أبى أن يتولّى القضاء، فتوارى عن حكام عصره، حتّى مات مستخفيا في البصرة.

و كذلك الحال بالنسبة لمالك بن أنس رحمه الله أبى أن يتولّى القضاء حتّى سجن و عذب سنة 148 هج، و كان يقول [1] : ضُربت فيما ضُرب فيه سعيد بن المسيب، ومحمد بن المنكدر، و ربيعة، و لا خير فيمن لا يؤذى في هذا الأمر. إنتهى

بعض ما ورد في السنّة:

-أخرج أبو داود، والترمذي وحسّنه، والنسائي، والبيهقي في «شعب الإيمان» ، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: {من سكن البادية جفا، ومن إتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلاطين إفتتن} .

(1) - تاريخ الذهبي (9/ 331)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت