الصفحة 17 من 72

و قد صنّف الإمام إبن القيّم حملة العلم الّذين لا يصلحون لحمله إلى أربعة أصناف، قال عنهم [1] : فهؤلاء الأصناف الأربعة ليسوا من دعاة الدّين و لا من أئمّة العلم و لا من طلبته الصادقين، و من تعلّق منهم بشيء منه فهو من المتسلّقين عليه، المتشبّهين بحملته و أهله، المدّعين لوصاله، المبتوتين من حباله، و فتنة هؤلاء فتنة لكلّ مفتون، فإنّ الناس يتشبّهون بهم لِما يظنّون عندهم من العلم.

و هؤلاء الأصناف هم:

-من ليس هو بمأمون عليه، و هو الّذي أوتي ذكاء و حفظا، و لكن مع ذلك لم يؤت زكاء، فهو يتخذ العلم الّذي هو آلة الدّين آلةَ الدنيا، يستجلبها به، و يتوسل بالعلم إليها ... و هذا غير أمين على ما حمله من العلم، و لا يجعله الله إماما فيه قط، فإنّ الأمين هو الّذي لا غرض له و لا إرادة لنفسه إلاّ إتباع الحق و موافقته، فلا يدعو إلى إقامة رياسته و لا دنياه، و هذا الّذي قد إتخذ بضاعة الآخرة و متجرها متجرا للدنيا، قد خان الله، و خان عباده، و خان دينه.

-الصنف الثاني: رجل نهمته في نيل لذته، فهو منقاد لداعي الشهوة أين كان.

-و الثالث: من حرصه و همته جمع المال و تثميرها و إدخارها، فقد صارت لذته في ذلك، و فني بها عمّا سواه، فلا يرى شيئا أطيب ما هو فيه، فأين هذا و درجة العلم.

-و الرّابع المنقاد الّذي لم يثلج له صدره، و لم يطمئن به قلبه، بل هو ضعيف البصيرة فيه، لكنّه منقاد لأهله، و هذه حال أتباع الحق من مقلديهم، و هؤلاء و إن كانوا على سبيل النجاة فليسوا من دعاة الدّين و إنّما هم من مكثري سواد الجيش، لا من أمرائه و فرسانه.

و العلّة في جعلهم من هذه الأصناف أنّ الشك ينقدح في قلوبهم بأوّل عارض من شبهة و هذا لقلّة بصيرته بخلاف الرّاسخ في العلم فلا تستفزّه الشبهات.

قال [2] العلامة ابن القيم رحمه الله: كلّ من آثر الدنيا من أهل العلم وإستحبها، فلابد أن يقول على الله غير الحق، في فتواه وحكمه وخبره وإلزامه، لأنّ أحكام الربّ سبحانه كثيرا ما تأتي على خلاف أغراض الناس، لاسيما أهل الرياسة، و الّذين يتبعون الشهوات، فإنّهم لا تتم لهم أغراضهم إلاّ بمخالفة الحق ودفعه. إنتهى

هذا كلّه يدلّ أنّ العلماء أقسام و ليسوا قسما واحدا فليكن هذا على بال حتّى لا يُعيّرنا بعض المغرضين أنّنا ممّن يقع في العلماء، فالعالم الربّاني له أوصافه ليس مجرّد أنّه عُرف بالعلم و صار من المشهورين، كما أنّ العالم الساقط له أوصافه و ليس مجرد تقزيم بعض الناس له، فليس المعيار في ذلك الشهرة أو التقزيم لا سيما إذا كان مصدر هذه الشهرة أو هذا التقزيم وسائل الإعلام المؤيّدة لكلّ ما هو باطل، أو أن تكون حجّة هذه الشهرة أو هذا التقزيم هو الجرح و التعديل الّذي لم ينضبط كثير من مدّعيه في هذا العصر بقواعد الجرح و التعديل [3] الّتي ورثتها الأمّة عن سلفها الصّالح، بل صار الضابط الأكبر في جرح المعاصرين و تعديلهم هو ولاء الحكام من عدمه، فبقدر ولاء المرء للحاكم كان عدلا عند هؤلاء، و بقدر براء المرء من الحاكم و فعاله كان مجروحا، فمن أعظم ما إبتُيلي به كثير من أهل العلم في هذا الزمان هو بذله للحكام حتّى هانوا أنفسهم و قبل ذلك هانوا العلم الّذي يحملوه.

(1) - مفتاح دار السعادة 1/ 261

(2) - من كتاب الفوائد

(3) - و لله الحمد وفّقني ربّي جلّ و علا أن أجمع رسالة بيّنت فيها هدي السلف في الجرح و التعديل، و سمّيتها"ضوابط التجريح"يسّر الله طباعتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت