* عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه و سلّم يقول:
{إنّ الله لا يقبض العلم إنتزاعا ينتزعه من العباد، و لكن يقبض العلم بقبض العلماء حتّى إذا لم يُبق عالما إتّخذ النّاس رءوسا جهّالا فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا و أضلّوا} . [1]
أوضح عليه الصّلاة و السّلام أنّ إتّخاذ النّاس رءوسا جهالا يكون بعد ذهاب العلماء الربّانيين و ذلك إمّا بوفاتهم أو منعهم من تبليغ دين الله إلى النّاس كما أمرهم الله جلّ و علا، و هذا المنع أخذ اشكالا متنوّعة في هذا العصر من إعتقال أو إقامة جبرية يُمنع من خلالها من إحتكاكه بالناس أو إحتكاك الناس به، أو مطاردته حتّى يصير همّه كيف يتوارى عن انظار مطارديه، أو بسياسة التشويه الّتي جُند لها بعض من لا يتورّع في الكلام بالباطل و البهتان، كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: أنظر ما كان حديث رسول الله عليه الصّلاة و السّلام فأكتبه، فإنّي خفتُ دروس العلم و ذهاب العلماء، و لا تقبل إلاّ حديث عن النبيّ عليه الصّلاة و السّلام، و لتفشوا العلم، و لتجلسوا حتّى يُعلّم من لا يعلم، فإنّ العلم لا يهلك حتّى يكون سرّا. [2]
فصار في هذا الزمان يُمنع العالم من أن يُحدّث الناس بما امره الله تعالى، فصار تبليغ العلم سرّا، و لا حول و لا قوّة إلاّ بالله، و في مقابل ما يُفعل بالعلماء الربّانيين يظهر ناس لا خلاق لهم يفتون الأمّة بغير ما أنزل الله ليصدّوا عن سبيل الله.
و من خلال هذا الحديث كشف النبيّ عليه الصّلاة و السّلام صنفا من العلماء الّذين يستغلّون فُرص إضطهاد العلماء الربّانيين و ذهابهم ليظهروا أمام الأمّة لمقاصد خبيثة، حسبنا الله و نعم الوكيل.
أمّا بعض ما جاء عن السلف [3] :
* عن إبن مسعود رضي الله عنه قال: لو أنّ أهل العلم صانوا العلم و وضعوه عند أهله سادوا به أهل زمانهم، و لكنّهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا من دنياهم فهانوا على أهلها، سمعت رسول الله صلّى الله عليه و سلّم يقول: {من جعل الهموم همّا واحدا همّ آخرته كفاه الله همّ دنياه، و من تشعّبت به هموم أحوال الدنيا لم يبال الله في أيّ أوديتها هلك} .
* و قال عبد الله بن المبارك رحِمَه الله: و هل أفسد الدّين إلاّ الملوك و أحبار سوء و رهبانها.
* قيل للأعمش: يا أبا محمد، قد أحييت العلم بكثرة من يأخذه عنك. فقال: لا تعجبوا فإنّ ثلثا منهم يموتون قبل أن يدركوا، و ثلثا يلزمون السلطان فهم شرّ من الموتى، و من الثلث الثالث قليل من يفلح.
* عن سفيان الثوري قال: يقال تعوّذوا بالله من فتنة العابد الجاهل، و فتنة العالم الفاجر، فإنّ فتنتهما فتنة لكلّ مفتون.
* و عن الأوزاعي أنّه قال: كان يقال ويل للمتفقّهين لغير العبادة و المستحلّين الحرمات بالشبهات.
* و عن مكحول الشامي أنّه قال: إنّه لا يأتي على الناس ما يوعدون حتّى يكون عالمهم فيهم أنتن من جيفة حمار
* قال عطاء الخراساني: كان العلماء قبلنا إستغنوا بعلمهم عن دنيا غيرهم , فكانوا لا يلتفتون إلى دنياهم فكان أهل الدنيا يبذلون لهم دنياهم رغبةً في علمهم , فأصبح أهل العلم منّا اليوم يبذلون لأهل الدنيا علمهم رغبة في دنياهم فأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علمهم لمّا رأوا من سوء موضعه عندهم , فإيّاك وأبواب السلاطين فإنّ عند أبوابهم فتنا كمبارك الإبل لا تصيب من دنياهم شيئا إلاّ أصابوا من دينك مثله. إنتهى
(1) - رواه البخاري في صحيحه (رقم: 100)
(2) - رواه البخاري معلّقا، كتاب العلم، باب: كيف يُقبض العلم
(3) - هذه الآثار كلّها من كتاب اخلاق العلماء للإمام الآجريّ رحمه الله تعالى