قال [1] القرطبي وغيره: ضرب النبيّ صلى الله عليه وسلم لما جاء به من الدّين مثلا بالغيث العام الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، وكذا كان حال الناس قبل مبعثه، فكما أنّ الغيث يحيي البلد الميت فكذا علوم الدّين تحيي القلب الميت، ثمّ شبه السامعين له بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث، فمنهم العالم العامل المعلم، فهو بمنزلة الأرض الطيبة شربت فانتفعت في نفسها وأنبتت فنفعت غيرها، ومنهم الجامع للعلم المستغرق أزمانه فيه غير أنّه لم يعمل بنوافله أو لم يتفقه فيما جمع لكنّه أداه لغيره، فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس به، وهو المشار إليه بقوله"نضر الله إمرءا سمع مقالتي فأداها كما سمعها"، ومنهم من يسمع العلم فلا يحفظه ولا يعمل به ولا ينقله لغيره، فهو بمنزلة الأرض السبخة أو الملساء التي لا تقبل الماء أو تفسده على غيرها، وإنّما جمع في المثل بين الطائفتين الأوليين المحمودتين لإشتراكهما في الإنتفاع بهما، وأفرد الطائفة الثالثة المذمومة لعدم النفع بها. إنتهى
* عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال: {القضاة ثلاثةٌ: واحدٌ في الجنّة، واثنان في النار، فأمّا الّذي في الجنّة فرجلٌ عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجلٌ قضى للناس على جهلٍ فهو في النار} . [2]
قال [3] الإمام إبن القيّم: قال غير أبي عمر - يقصد إبن عبد البر-: كما أنّ القضاة ثلاثة، قاضيا في النار و واحد في الجنّة، فالمفتون ثلاثة و لا فرق بينهما إلاّ في كون القاضي يُلزم بما أفتى به، و المفتي لا يلزم به. إنتهى
فهذا واضح الدلالة على تصنيف العلماء إلى ثلاثة أصناف، صنفان في النار، و صنف واحد في الجنّة، أمّا الّذي في الجنّة فهو الّذي عرف الحق فإستقام عليه في سلوكه و دعوته، و أمّا الّذيْن في النار، فواحد عرف الحق فحاد عنه في سلوكه و دعوته، و أمّا الآخر فهو الّذي تصدّر للإفتاء على جهل فضلّ و أضلّ.
* عن ثوبان رضي الله عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه و سلّم قال: إنّما أخاف على أمّتي الأئمّة المضلّين" [4] "
قال [5] العلامة عبد الرحمن آل الشيخ: أتى بإنّما الّتي قد تأتي للحصر بيانا لشدّة خوفه على أمّته من أئمّة الضلال.
و الحديث واضح أنّ رسول الله عليه الصّلاة و السّلام جعل من أصناف العلماء هؤلاء المضلّون، و من أوصافهم ما رواه مسلم في صحيحه [6] عن حذيفة بن اليمان أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال {: يكون بعدي أئمّة لا يهتدون بهداي، و لا يستنون بسنتي، و سيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس}
قال [7] العلاّمة عبد الرحمن آل الشيخ في تعريفه للأئمّة المضلّين: أي الأمراء و العلماء و العباد فيحكمون فيهم بغير علم فيضلّونهم. إنتهى
"قال الله تعالى: {و إنّ كثيرا ليضلّون بأهوائهم بغير علم إنّ ربّك هو أعلم بالمعتدين} ، و قال: {و لقد ضلّ قبلهم أكثر الأوّلين} ،و امثال هذه الآيات كثير، و عن زياد بن حدير قال: قال لي عمر: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قلتُ: يهدمه زلّة العالم، و جدال المنافق بالكتاب، و حكم الأئمّة المضلّين. رواه الدارمي" [8] .
(1) - بواسطة فتح الباري (1/ 177)
(2) - رواه أبوداود في سننه، رقم: 3573
(3) - إعلام الموقّعين 2/ 134
(4) 27 - رواه أحمد في مسنده، و أبوداود في سننه رقم: 4252، و إبن ماجه في سننه رقم: 3952،
و الحديث صحيح على شرط مسلم قاله الألباني في الصحيحة (4/ 110 - رقم: 1582)
(5) - فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، ص: 324
(6) - رقم: 52 (1847)
(7) - فتح المجيد (ص: 323)
(8) - قاله العلامة عبد الرحمن آل الشيخ في قرّة عيون الموحّدين، بواسطة هامش فتح المجيد
(ص: 323)