نستطيع أن نصنّف علماء هذا الزمان إلى ثلاثة أصناف: عالم أمّة، عالم دولة، و عالم ملّة.
خذ هذا التفصيل بعين الإعتبار وإبتعد من الإطلاق والإجمال بأنّ لحوم العلماء مسمومة، قال إبن القيّم:
فعليك بالتفصيل والتمييز فالإ ... قد أفسد هذا الوجود وخبطا ال ...( ... طلاق و الإجمال دون بيان
-... أذهان و الآراء كلّ زمان
فصل: الصنف الأول:
عالم أمَّة
عالم أمّة: هو العالم التّابع لآراء الجماهير, العامل لمرضاتهم المجتهد في تحقيق رغباتهم , ليس له همّ إلاّ تكثير الأتباع
و الطلاب، مفتون بالكثرة الّتي حوله فهو يجتهد أن لا يعصي لهم أمرا كلّ ذلك على حساب الشرع.
فيا مصيبتاه لمّا يصير العالم او الدّاعية تبعا لإملاءات الجماهير أو طائفة أو فئة أو جماعة أو حزب، في عوض ان يكون تبعا للدليل الشرعي.
يا مصيبتاه لمّا يصير حرص العالم او الدّاعية عدم إغضاب من حوله، و الثمن ان يسير وفق أهوائهم في عوض ان يسيروا هم وفق دليله.
يا مصيبتاه لمّا يصير همّ العالم أو الدّاعية تكثير السواد حوله على حساب الشرع.
يا مصيبتاه لمّا يصير العالم أو الدّاعية موجّهَ) بفتح الجيم (من طرف أتباعه في عوض أن يكون هو الموجّه(بكسر الجيم)
يا مصيبتاه أن يكون حرص العالم او الداعية إشتراء الألقاب، فلا يُقال عنه متشدد أو متطرّف، وحتّى يُلقب بأنواع من الألقاب البرّاقة كالمتفتّح، المعتدل، صاحب المنهج الوسط، و الثمن هو تحريف النصوص أو التمسّك بالشاذ من الأقوال حتّى يرضى عنه الناس بحجة التيسير و رفع الحرج، متغافلا أو متجاهلا أنّ شريعة ربّنا ميسّرة لمن صدق أن يتمسّك بأوامرها، مرفوعة عنها الحرج بإتباع معالمها، فهي شريعة الرحمن الرحيم، فالمشقة كلّ المشقّة، و الحرج كلّ الحرج، في مخالفة شريعة الله تعالى.
يا مصيبتاه لمّا يصير حرص العالم أو الدّاعية أن يُلقّب بالجريء أو الشجاع، فلا يُقال عنه مثبّط أو مميّع، و ذلك لمّا يُجاري بعض الجماعات في بعض أخطائها الشنيعة، متغافلا أنّ الشجاعة كلّ الشجاعة في التّمسك بشرع الله تعالى
و الصّدع به و الصّبر على الأذى فيه.
يا مصيبتاه لمّا يصير دور العالم أو الدّاعية إيجاد مبرّرات لبعض أخطاء بعض الجماعات، في عِوض أن يكون موجّها مرشدا و ناصحا لها.
و إنّ كثيرا من هذا الصنف يتبعون الشاذ من الأقوال و الزلل الّتي وقع فيها بعض أهل العلم ليلفّقوا منهجا و مسلكا يزعمون أنّهم متّبعون للعلماء و انّهم قد سُبقوا إلى أقوال قد إختاروها لموافقتها لأهوائهم، ولا أظن يخفى على أحد لا سيما من الدعاة و المشايخ حكم السلف على أصحاب مثل هذا المنهج، المنهج التلفيقي.
قال الأوزاعي: من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام.
وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي: دخلت على المعتضد فدفع إليّ كتابا نظرت فيه وكان قد جمع له الرخص من زلل العلماء وما إحتج به كلّ منهم لنفسه، فقلت له: يا أمير المؤمنين مصنف هذا الكتاب زنديق. فقال: ألم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: بلى، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما من عالم إلاّ وله زلة ومن جمع زلل العلماء ثمّ أخذ بها ذهب دينه. فأمر المعتضد فأحرق ذلك الكتاب.