الصفحة 26 من 72

و على هذا قال [1] الإمام إبن القيّم: لا يجوز للمفتي أن يعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح ولايَعْتَد به، بل يكتفى في العمل بمجرد كون ذلك قولا قاله إمام أو وجها ذهب إليه جماعة فيعمل بما يشاء من الوجوه والأقوال حيث رأى القول وَفْقَ إرادته وغرضه عمل به، فإرادته وغرضه هو المعيار وبها الترجيح، وهذا حرام باتفاق الأمة ... و بالجملة فلا يجوز العمل و الإفتاء في دين الله بالتشهّي و التخيّر و موافقة الغرض، فيطلب القول الّذي يوافق غرضه و غرض من يُحابيه فيعمل به، و يفتي به، و يحكم به، و يحكم على عدوّه و يفتيه بضدّه، و هذا من أفسق الفسوق و أكبر الكبائر، و الله المستعان. إنتهى

وليعلم كلّ عالم وكلّ طالب علم أنّ أسمى الأماني هو نيل مرضات الله تعالى ولو في سخط النّاس, فإذا رضي الله على إنسان أرضى عنه الناس, وإذا أحبّ الله عبده أمر أهل السماء أن يحبّوه وعلى رأسهم جبريل عليه السلام، ثمّ يجعل له القبول في الأرض.

أمّا مَن عمل من أجل إرضاء النّاس فالمآل هو سخطهم عليه, إذ إرضاء الناس غاية لا تدرك أبدا كما قدّر الله تعالى.

روى إبن حبان [2] عن عائشة رضي الله عنها أنّ رسول الله صلّى الله عليه و سلّم قال:"من إلتمس رضى الله بسخط الناس رضي الله عنه و أرضى عنه الناس، و من إلتمس رضى الناس بسخط الله سخط الله عليه و أسخط عليه الناس"

كثيرة هي الفتاوى و الآراء من بعض المتصدرين منطلقها هو تحقيق رغبات الناس, وعملهم يشبه إلى حدّ بعيد حِصص: (ما يطلبه المشاهد) .

أحلّوا بهذه الفتاوى المضلّلة الغناء، و مصافحة الرجل المرأة و العكس، و مخالطة المرأة الرجال و العكس، و المعاملات الربوية، و نزع المرأة حجابها، و حلق الرجل لحيته (و هذه الفتاوى جاءت لتوافق أهواء العوام) ، و مشروعية قتل من هو معصوم الدّم من المسلمين قصدا بحجج واهية كحجة مجهول الحال كما حصل في فترة من الفترات، و مشروعية الإنخراط في جيش الكفار الغزاة كالجيش الأمريكي (و هذا النوع من الفتوى جاءت لتبرر و توجد مخارج لإنحرافات بعض الجماعات، و الدول) ....

هل يعدّ هذا الصنف من العلماء الّذين مد حهم الله تعالى؟

أم هو من الصنف الّذي يأكل بعلمه؟

روى الآجري في كتابه أخلاق العلماء عن مالك بن دينار أنّه قال: إنّكم في زمن أشهب , لا يبصر زمانكم إلاّ البصير , إنّكم في زمان نفخّاتهم قد إنتفخت ألسنتهم في أفواههم وطلبوا الدّنيا بعمل الآخرة فاحذروهم على أنفسكم لا يوقعوكم في شبكاتهم. يا عالم تأكل بعلمك, يا عالم أنت عالم تفخر بعلمك, يا عالم أنت عالم تكاثر بعلمك يا عالم أنت عالم تستطيل بعلمك, لو كان هذا العلم طلبته لله لرُئي ذلك فيك وفي عملك.

قال [3] العلامة ابن القيم رحمه الله: كلّ من آثر الدنيا من أهل العلم وإستحبها، فلابد أن يقول على الله غير الحق، في فتواه وحكمه وخبره وإلزامه، لأنّ أحكام الربّ سبحانه كثيرا ما تأتي على خلاف أغراض الناس، لاسيما أهل الرياسة، و الذين يتبعون الشهوات، فإنّهم لا تتم لهم أغراضهم إلاّ بمخالفة الحق ودفعه. إنتهى

(1) - إعلام الموقعين (4/ 162)

(2) - (رقم: 1542 - موارد الظمآن)

(3) - من كتاب الفوائد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت