الصفحة 27 من 72

فنذكّرهم بما قاله [1] الإمام إبن القيّم: قد حرم الله سبحانه القول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء وجعله من أعظم المحرمات بل جعله في المرتبة العليا منها، فقال تعالى: {قل إنّما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} ، فرتب المحرمات أربع مراتب وبدأ بأسهلها وهو الفواحش، ثمّ ثنى بما هو أشد تحريمًا منه وهو الإثم والظلم، ثمّ ثلث بما هو أعظم تحريمًا منهما وهو الشرك به سبحانه، ثمّ ربع بما هو أشد من ذلك كلّه وهو القول عليه بلا علم، وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي دينه وشرعه، وقال تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إنّ الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون * متاع قليل ولهم عذاب أليم} . فتقدم إليهم سبحانه بالوعيد على الكذب عليه في أحكامه وقولهم لما لم يحرمه هذا حرام ولما لم يحله هذا حلال، وهذا بيان منه سبحانه أنّه لا يجوز للعبد أن يقول هذا حلال وهذا حرام إلاّ بما علم أنّ الله سبحانه أحله وحرمه، وقال بعض السلف: ليتق أحدكم أن يقول: أحل الله كذا وحرم كذا فيقول الله له: كذبت لم أحل كذا ولم أحرم كذا. إنتهى

أقول: ببركة هؤلاء ضاع الحق بين العوام، و تجرأ الكلّ على الفتوى، لكن نبشّرهم بأنّ الله حافظ دينه، و الحق سيظهر

و يعلو، و يومها يعرف الناس تدليس هذا الصنف من العلماء و كذبهم، فإتّقوا الله و استحيوا منه و أخشوه، فهو الخافض الرافع، يعزّ من يشاء و يذلّ من يشاء، بيده الخير و هو على كلّ شيء قدير.

شبهة و الردّ عليها:

قد يقول قائل مدافعا عن هذا الصنف من الدعاة و من العلماء أنّ دعوة هؤلاء لها أثر إيجابيّ خاصّة في الغرب.

و الجواب: أنّ الإيجابية و السلبية في مثل هذا المقام مردّه إلى شريعة الرحمن لا إلى أهواء النّاس، فنقول هذا أمر إيجابي إذا كان موافقا للكتاب و السنّة، و نقول هذا أمر سلبي إذا كان مخالفا للكتاب و السنّة، فالمردّ و المعيار هو الكتاب و السنّة فهما الحكم و هما الميزان، فما لم يشهد له الكتاب و السنّة بالإيجابية، بل شهد له بالسلبية فهو سلبي و لو إجتمع الإنس و الجنّ على إيجابيته، و العكس.

و كذا الحال بالنسبة لمسألة الوسطية و الإعتدال، فإنّ الوسطية و الإعتدال هو في تمسّك بشرع الله تعالى، فليست الوسطية و الإعتدال في مخالفة شرع الله من أجل إرضاء دولة أو حاكم و فئة، و التطرّف و الغلوّ هو في مخالفة شرع الله، و ليس في مخالفة سياسات الأمم و أهواء الحكام، هذا مقتضى إيماننا بالله ربّا و بمحمد رسولا

و بالإسلام دينا، قال الله جلّ و علا:"و ما كان لمؤمن و لا مؤمنة إذا قضى الله و رسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، و من يعص الله و رسوله فقد ضلّ ضلالا مبينا"الأحزاب (36) .

فتأمّل إلى حكم الله تعالى و هو أنّه من خالف حكم الله و رسوله فقد ضلّ ضلالا ظاهرا بيّنا، هذا معيار ربّنا الحكم العدل.

ثمّ أقول ليحص الواحد منكم الفتاوى الّتي صدرت ممّن صار يُلقّب بدعاة العصر أو دعاة الشهرة ثمّ ليعرضها على الكتاب و السنّة و على فهم سلف الصّالح من هذه الأمّة لير العجب، و لم أرد في هذا البحث أن أورد أسماء و لا الفتاوى المنحرفة و إلاّ لكان الكتاب أكبر من حجمه الحالي بحوالي الضعف، و لكن إن شاء الله تكفي مريد الحق الإشارة.

فصل: الصنف الثاني:

عالم دولة

(1) - إعلام الموقعين عن ربّ العالمين (1/ 31)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت