الصفحة 12 من 72

باب: ما ورد من أنّ العلماء أقسام

تقسيم العلماء بإعتبار ضبطهم، أو بإعتبار عدالتهم، أو بإعتبار صدقهم في حمل رسالة الإسلام، كلّ ذلك له أصل في كتاب الله تعالى و في سنّة رسول الله عليه الصّلاة و السّلام، و جرى على هذا التقسيم بإعتبارات مختلفة عمل السّلف، حتّى قال [1] العلاّمة أبو حامد الغزالي: فمن نظر بعين الإيمان فالّذي أخبره بفضيلة العلم هو الّذي أخبره بذمّ علماء السوء، و أنّ حالهم أشدّ من حال الجهال. إنتهى

و لتوضيح ذلك نسلّط الضوء على بعض النّصوص الدّالة على المراد:

أمّا بعض ما جاء في القرآن:

* قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيم} [2]

فهذه الآية الكريمة أوضحت قسما من العلماء و هم الّذين غشّوا الأمّة بكتمهم ما جاء به الرّسل من الدّلالات البيّنة على المقاصد الصحيحة، و الهدى النافع للقلوب من بعد ما بيّنه الله لعباده من خلال رسله عليهم الصّلاة و السّلام، فكان هذا الوعد الشديد جزاء بما كسبت أيديهم"أولئك يلعنهم الله و يلعنهم اللّاعنون".

قال عبد الرحمن بن ناصر السعدي في تفسيره هذه الآية: هذه الآية وإن كانت نازلة في أهل الكتاب وما كتموا من شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وصفاته فإنّ حكمها عام لكلّ من إتصف بكتمان ما أنزل الله، {من البينات} الدالات على الحق المظهرات له، {والهدى} وهو العلم الذي تحصل به الهداية إلى الصراط المستقيم ويتبين به طريق أهل النعيم من طريق أهل الجحيم فإنّ الله أخذ الميثاق على أهل العلم بأن يبينوا للناس ما منّ الله به عليهم من علم الكتاب ولا يكتموه فمن نبذ ذلك وجمع بين المفسدتين: كتم ما أنزل الله والغش لعباد الله فأولئك {يلعنهم الله} أي: يبعدهم ويطردهم عن قربه ورحمته، {ويلعنهم اللاعنون} وهم جميع الخليقة فتقع عليهم اللعنة من جميع الخليقة لسعيهم في غش الخلق وفساد أديانهم وإبعادهم من رحمة الله فجوزوا من جنس عملهم، كما أنّ معلم الناس الخير يصلي الله عليه وملائكته حتّى الحوت في جوف الماء لسعيه في مصلحة الخلق وإصلاح أديانهم وقربهم من رحمة الله فجوزي من جنس عمله، فالكاتم لما أنزله الله مضاد لأمر الله مشاق لله يبين الله الآيات للناس ويوضحها وهذا يطمسها ويعميها فهذا عليه هذا الوعيد الشديد، {إلاّ الذين تابوا} أي: رجعوا عمّا هم عليه من الذنوب ندما وإقلاعا وعزما على عدم المعاودة، {وأصلحوا} ما فسد من أعمالهم فلا يكفي ترك القبيح حتى يحصل فعل الحسن، ولا يكفي ذلك في الكاتم أيضا حتى يبين ما كتمه ويبدي ضد ما أخفى فهذا يتوب الله عليه لأنّ توبة الله غير محجوب عنها فمن أتى بسبب التوبة تاب الله عليه لأنّه {التواب الرحيم} .إنتتهى

(1) - إحياء علوم الدّين (3/ 362)

(2) - سورة البقرة (الآية: 159 - 160)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت