الصفحة 13 من 72

* قال تعالى من سورة البقرة: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}

هذه الآية كشفت صنفا ممّن ينتسب إلى اهل العلم الّذين يحرّفون النصوص الشرعية، و يغيّرون الثوابت المحكمة من اجل مقاصد خبيثة، و هذا الحال ليس خاصّا بمن كان قبلنا بل يشمل كلّ من حرّف الحق بقصد خبيث. قال القرطبي: في هذه الآية و الّتي قبلها التحذير من التبديل و التغيير و الزيادة في الشرع، فكلّ من بدلّ و غيّر أو إبتدع في دين الله ما ليس منه و لا يجوز فيه فهو داخل تحت هذا الوعيد الشديد و العذاب الأليم، و قد حذّر رسول الله عليه الصّلاة و السّلام أمّته لما قد علم ما يكون في آخر الزمان فقال:"ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب إفترقوا على ثنتين و سبعين ملّة، و إنّ هذه الأمّة ستفترق على ثلاث و سبعين فرقة كلّها في النّار إلاّ واحدة"الحديث، فحذّرهم أن يحدثوا من تلقاء أنفسهم في الدّين خلاف كتاب الله أو سنّته أو سنّة أصحابه فيضلّوا به النّاس، و قد وقع ما حذّره و شاع، فإنّ لله و إنّا إليه راجعون. إنتهى ... و قال العلامة عبد الرحمن السعدي في تفسيره: قال شيخ الإسلام لما ذكر هذه الآيات، فإن الله ذمّ الّذين يحرفون الكلم عن مواضعه وهو متناول لمن حمل الكتاب والسنة على ما أصله من البدع الباطلة، وذمّ الّذين لا يعلمون الكتاب إلاّ أمانيّ وهو متناول لمن ترك تدبر القرآن ولم يعلم إلاّ مجرد تلاوة حروفه، ومتناول لمن كتب كتابا بيده مخالفا لكتاب الله لينال به دنيا، وقال: إنّه من عند الله مثل أن يقول: هذا هو الشرع والدّين وهذا معنى الكتاب والسنة وهذا معقول السلف والأئمة وهذا هو أصول الدّين الذي يجب إعتقاده على الأعيان والكفاية، ومتناول لمن كتم ما عنده من الكتاب والسنة لئلا يحتج به مخالفه في الحق الّذي يقوله، وهذه الأمور كثيرة جدا في أهل الأهواء جملة كالرافضة وتفصيلا مثل كثير من المنتسبين إلى الفقهاء. إنتهى

* قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَاكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [1] .

و في هذه الآية تحذير من الله جلّ و علا من علماء السوء و عباد الضلال الّذين يأكلون الدنيا بالدّين و مع هذا الأكل الحرام يصدّون النّاس عن إتباع الحق و يلبسون الحق بالباطل و يظهرون لمن إتّبعهم من الجهلة أنّهم يدعون إلى الخير، و ليسوا كما يزعمون بل هم دعاة إلى النار، فكان جزاؤهم أنّهم مبشّرون بعذاب أليم [2] .

(1) - سورة التوبة (الآية: 34)

(2) - أنظر تفسير القرآن العظيم للإمام إبن كثير على هذه الآية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت