الصفحة 14 من 72

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى: هذا تحذير من الله تعالى لعباده المؤمنين عن كثير من الأحبار و الرهبان، أي: العلماء و العباد الّذين يأكلون أموال الناس بالباطل، أي بغير حقّ، و يصدّون عن سبيل الله، فإنّهم إذا كانت لهم رواتب من أموال الناس، أو بذل الناس لهم أموالهم، فإنّه لأجل علمهم و عبادتهم، و لأجل هداهم و هدايتهم، و هؤلاء يأخذونها و يصدّون الناس عن سبيل الله، فيكون أخذهم لها على هذا الوجه سحتا و ظلما، فإنّ الناس ما بذلوا لهم من أموالهم إلاّ ليدلّوهم إلى الطريق المستقيم؛ و من أخذهم لأموال الناس بغير حقّ أن يعطوهم ليفتوهم أو يحكموا لهم بغير ما أنزل الله، فهؤلاء الأحبار و الرهبان ليحذر منهم هاتان الحالتان: أخذهم لأموال الناس بغير حقّ، و صدّهم الناس عن سبيل الله. إنتهى

* قال تعالى في الآية: 5، من سورة الجمعة: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [1]

روى إبن جرير بإسناده إلى إبن عباس, قوله: مَثَلُ الّذِينَ حُمّلُوا التّوْراةَ ثُمّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يحْمِلُ

أسْفارا والأسفار: الكتب, فجعل الله مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يتّبع ما فيه, كمثل الحمار يحمل كتاب الله الثقيل, لا يدري ما فيه.

قال الإمام إبن كثير في تفسيره لهذه الآية: يقول تعالى ذاما لليهود الّذين أعطوا التوراة و حملوها للعمل بها ثمّ لم يعملوا بها، مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارا، أي كمثل الحمار إذا حمل كتبا لا يدري ما فيها، فهو يحملها حملا حسيا و لا يدري ما عليه، و كذلك هؤلاء في حملهم الكتاب الّذي أوتوه حفظوه لفظا لم يتفهّموه و لا عملوا بمقتضاه، بل أوّلوه و حرّفوه و بدّلوه، فهم أسوأ حالا من الحمير، لأنّ الحمار لا فهم له، و هؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها، و لهذا قال تعالى في الآية الأخرى:"أولئك كالأنعام بل هم أضلّ أولئك هم الغافلون"، و قال تعالى ههنا:"بئس مثل القوم الّذين كذّبوا بآيات الله و الله لا يهدي القوم الظالمين". إنتهى

أمّا من السنّة منها:

* عن أبي موسى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: {مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقيّة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها النّاس فشربوا و سقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنّما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثنى الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به} [2] .

و هذا فيه تصنيف رسول الله عليه الصّلاة و السّلام للعلماء من حيث إنتفاعهم و نفعهم بالعلم.

(1) - سورة الجمعة (الآية: 5)

(2) - رواه البخاري في صحيحه (رقم: 79)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت