الجواب: أوّلا: تصنيف العلماء و الدعاة كما مرّ تقريره في فصول سابقة بفضل من الله جلّ و علا، ليس بالأمر البدعي، فقد أوضحتُ نصوصا من القرآن و من السنّة و من كلام السلف، ثمّ كتب الجرح التعديل الّتي ورثناها عن أئمّتنا أكبر شاهد على ما ذهبنا إليه من تصنيف العلماء و الدعاة، فقد كان سلفنا يصنّفون العلماء على حسب زمن الرّواية على حسب عدالتهم و ضبطهم، و نحن نصنّف العلماء و الدعاة في هذا العصر على حسب معرفته بالحق و إتّباعه للسنّة و صدّعه بالحق و ركونه من عدمه لأهل الظلم، و مع ذلك لا نقول بأنّ الحق محصور في العلماء الّذين صنّفناهم في صنف علماء الملّة، فكم إستفدنا و لا زلنا نستفيد من علماء الدولة في مسائل كثيرة ما عدا المسائل المتعلّقة بالسياسة الشرعية، فهذه المسائل بالذّات لا نأخذها إلاّ من الربّانيين، و لا ضير أن نعرف وجهة نظر غيرهم، فليس من المعقول مثلا أن نأخذ علم أسماء الله تعالى و صفاته من المعتزلة و الأشاعرة، لكن لنا أن نستفيد منهم في الفقه و الأصول و ما ليس له علاقة بما ضلّوا فيه.
و هكذا ليس من المعقول أن نأخذ مسائل السياسة الشرعية من علماء يعترفون بحكام عطّلوا شريعة ربّ البريّة و فرضوا بالقوّة على الأمّة القوانين الوضعية.
ثمّ نذكّركم بأنّ الّذي كان يدعو أتباعه إلى التحزب و إلى التكتل حول مجموعة من الدعاة منهج معروف عندنا و عندكم، و ذلك بإسم الجرح و التعديل، بل هو جرح و تنكيل، فلم نعرف منهم تعديلا لأحد إلاّ من رضي بشيخهم و رضي عنه شيخهم رافع لوائهم، و كنّا و لله الحمد من الرّادين على هذا المنهج الرديء الممقوت الّذي فرّق الأمّة و دعاتها على أساس الهوى و العصبية [1] .
ثانيا: تأكيدا لقولي: ليس من المعقول أن نأخذ مسائل السياسة الشرعية من علماء يعترفون بحكام عطّلوا شريعة ربّ البريّة و فرضوا بالقوّة على الأمّة القوانين الوضعية. قال الله تعالى موضّحا هذا الأمر:"و إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به و لو ردّوه إلى الرّسول و إلى أولي الأمر منهم لعلمه الّذين يستنبطونه منهم و لولا فضل من الله عليكم و رحمته لإتّبعتم الشيطان إلاّ قليلا"النساء (83)
فالله سبحانه و تعالى من خلال الآية يؤدّب عباده المؤمنين ناهيا عن أن يتحدّثوا بما لم يدركوه على حقيقته، فأمرهم بالتّثبت و عدم الإستعجال في إتّخاذ الأحكام أو في نشر الأخبار، فقوله سبحانه:"أذاعوا به"أي أفشوه و أظهروه قبل أن يقفوا على حقيقته، فأمر ردّ الأمور الحرجة إلى أهل الإستنباط، و ليس كلّ من كان من أهل العلم كان من أهل الإستنباط كما أوضحه الله سبحانه من خلال الآية، قال [2] الإمام إبن القيّم: قال الجوهري: الإستنباط كالإستخراج، و معلوم أنّ ذلك قدر زائد على مجرّد فهم اللفظ، فإنّ ذلك ليس طريقة الإستنباط، إذ موضوعات الألفاظ لا تُنال بالإستنباط و إنّما تُنال به العلل و المعاني و الأشباه و النظائر و مقاصد المتكلّم، و الله سبحانه ذمّ من سمع ظاهرا مجرّدا فأذاعه و أفشاه، و حمد من إستنبط من أولي العلم حقيقته و معناه.
و يوضّحه أنّ الإستنباط إستخراج الأمر الّذي من شأنه أن يخفى على غير مستنبطه. إنتهى
(1) - لي بحث متواضع في هذا الأمر بعنوان: السلفية مهنج فهم و أخلاق، لا منهج سباب و شقاق.
(2) - إعلام الموقعين (1/ 172)