الصفحة 46 من 72

الجواب: ليس المعيار هو تهييج الجماهير، بل المعيار هو معرفة الحقّ و العمل به و الدّعوة إليه و الصبر على الأذى فيه، قال الله جلّ و علا:"و العصر إنّ الإنسان لفي خسر إلاّ الّين ءامنوا و عملوا الصّالحات و تواصوا بالحقّ و تواصوا بالصبر"، و قد مرّ معنا قريبا بعض أوصاف هذا الصنف العزيز من العلماء.

بل ممّا يجب التنبيه إليه و نحن نتكلّم على هذا الصنف العزيز من العلماء لابدّ أن نميّزهم عن الّذين يتاجرون بقضايا الأمّة بمقاصد مختلفة، الّذين لا يُعرفون إلاّ بالتهييج على حساب التكوين و التربية و الإعداد و الجهاد فكثير من هؤلاء إمتحنهم الله في هذه السنوات الأخيرة جرّاء الأحداث المباركة الّتي صنعها إخواننا المجاهدون بفضل من الله تعالى رأينا كيف تحوّل هؤلاء إلى مدافعين على أعداء الله معادين لأولياء الله أحيانا بإسم النقد الذاتي أو بإسم المراجعات و أحيانا بإسم نقد الغلو، فليس هؤلاء نعني بالعلماء الربّانيين، فليس المقياس هو ذاك التهييج غير المتّزن بل ربّما يكون في الغالب مقصود لإمتصاص غضب الجماهير كما يقولون، بل الّذي نريده هو الصّدع بالحق، مع تكوين جيل أهل الحق لا تأخذه في لله لومة لائم.

ثمّ أقول، سئل الإمام أحمد عن الإمام مالك و الإمام إبن أبي ذئب، ففضّل رحمه الله إبن أبي ذئب لصدعه بالحق عند السلاطين، فمعيار التفضيل بالصدع بالحق له سلف و لله الحمد.

قال الإمام أحمد عند ذلك السؤال: إبن أبي ذئب أصلح في دينه و أورع ورعا، و أقوم بالحق من مالك عند السلاطين، و قد دخل إبن أبي ذئب على أبي جعفر فلم يهبه أن قال له الحق، قال (أي إبن أبي ذئب لأبي جعفر) : الظلم فاش ببابك.

و أبو جعفر أبو جعفر. [1]

و لمّا ترجم الإمام الذهبي الإمام الأوزاعي و ذكر قصّته مع الأمير عبد الله بن علي، قال [2] الإمام الذهبي معقّبا: كان عبد الله بن علي ملكا جبّارا سفاكّا للدماء، صعب المراس، و مع هذا فالإمام الأوزاعي يصدعه بمرّ الحقّ، لا كخلق من علماء السّوء الّذين يحسّنون للأمراء ما يقتحمون به من الظلم و العسف، و يقلّبون لهم الباطل حقّا قاتهلم الله، أو يسكتون مع القدرة على بيان الحقّ. إنتهى

و لمّا صدع أحمد بن نصر الخزاعي بالحق بل بايعه النّاس سرّا على خلع الواثق سنة 231 هج، ظفر به الواثق فأمر به فقُتل رحمه الله تعالى، أثنى عليه العلماء، فقال عنه أحمد بن حنبل: رحمه الله، لقد جاد بنفسه. و قال عنه يحي بن معين: ختم الله له بالشهادة. [3] و جاء في كتاب السنة للخلال: أنّه الإمام الشهيد.

الشبهة الثانية: - يقولون: كأنّكم بهذا التصنيف للعلماء و الدّعاة، تدعون الناس إلى الإلتفات حول صنف دون غيره أليس هذا تحزب لفئة دون فئة؟

(1) - أي و لا يخفى أمر أبي جعفر على أحد، و القصّة في تاريخ بغداد (2/ 302)

(2) - سير أعلام النبلاء (7/ 125)

(3) - سير أعلام النبلاء (11/ 166)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت