-لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين، حتّى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون -.
وله الحمد والمنّة , اّنه سبحانه في كلّ زمان و أوان يقيض طائفة من الناس ينصرون دينه , ويظهرونه للعالمين , فينفون عنه تحريف الغالين , وإنتحال المبطلين , وتأويل الجاهلين , لا يضرهم في ذلك من خالفهم من المعادين , ولا من خذلهم من المثبطين و المنافقين , متمسكين بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عاظين ذلك بنواجدهم متوكلين على الله ربّ العالمين.
قال الإمام أحمد بن حنبل [1] :الحمد لله الذي جعل في كلّ زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى , ويبصرون بنور الله أهل العمى , فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه , وكم من ضال تائه قد هدوه , فما أحسن أثرهم على الناس , وما أقبح أثر الناس عليهم , ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين , وإنتحال المبطلين , وتأويل الجاهلين الّذين عقدوا ألوية البدعة, وأطلقوا عنان الفتنة , فهم مختلفون في الكتاب ,مخالفون للكتاب , مجمعون على مفارقة الكتاب , يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمشابه من الكلام , ويخدعون جهال الناس بما يشتبهون عليهم , فنعوذ بالله من فتنة المضلين اهـ
فما بال الّذين يتظاهرون بالدّفاع عن العلماء لا يدافعون من كان من هذا الصنف الّذين شُوّهوا، و سُجنوا، و قُذفوا، تهمتهم أنّهم صدعوا بالحق فخالفوا أهواء الناس و على رأسهم الحكام الّذين بدّلوا شريعة الله بشريعة أهل الكفر و الطغيان.
قال الإمام إبن القيّم مبيّنا أنّ علماء أهل التوحيد و الحديث هم أنصار الله ورسوله , ولا يبغض الأنصار عبد شمّ رائحة الإيمان فلا تحسب أنّ الأنصار هم فقط الأوس والخزرج , بل أنصار دينه موجودون دائما في كلّ زمان , وأنّ الناس تقع في العلماء الربّانيين , لأنّهم خالفوا الناس إتباعا للحق , ولو وافقوا أهواء الناس وتركوا الحق لرأيت الناس يثنون عليهم , قال الإمام ابن القيم:
يا مبغضا أهل الحديث وشاتما ... *** ... أبشر بعقد ولاية الشيطان
أو ما علمت بأنّهم أنصار دين ... *** ... الله والإيمان و القرآن
أو ما علمت بأنّ أنصار الرسول ... *** ... هم بلا شك ولا نكران
هل يبغض الأنصار عبد مؤمن ... *** ... أو مد رك لروائح الإيمان
شهد الرسول بذلك وهي شهادة ... *** ... من أصدق الثقلين بالبرهان
أو ما علمت بأنّ خزرج دينا ... *** ... و الأوس هم أبدا بكل زمان
ما ذنبهم إذا خالفوك لقوله ... *** ... ما خالفوه لأجل قول فلان
لو وافقوك وخالفوه كنت ... *** ... تشهد أّنهم حقا أولو الإيمان
ثمّ نبه رحمة الله تعالى الّذين يتكلمون في هذا الصنف من العلماء بالسوء من أجل حطام الدنيا ,أو من أجل نصرة أهوائهم ماذا سيجنون يوم القيامة؟
يا من يعاديهم لأجل مآكل ... *** ... ومناصب ورياسة الإخوان
تهنيك هاتيك العداوة كم ... *** ... بها من حسرة ومزلة وهوان
ولسوف تجني غيها والله عن ... *** ... قريب وتذكر صدق ذي الإيمان
فإذا تقطعت الوسائل وانتهت ... *** ... تلك المآكل في سريع زمان
هناك تقرع سن ندمان على ... *** ... التفريط وقت السير و الإمكان
هناك تعلم ما بضاعتك التي ّ ... *** ... حصلتها في سالف الأزمان
إلاّ الوبال عليك والحسرات ... *** ... والخسران عند الوضع في الميزان
قيل وقال ما له من حاصل ... *** ... إلا العناد وكلّ ذي الأذهان
و الله ما ينجيك من سجن ... *** ... الجحيم سوى الحديث ومحكم القرآن
والله ليس الناس إلا أهله ... *** ... وسواهم من جملة الحيوان
شبهات و الردّ عليها:
الشبهة الأولى: - يقولون: هل معيار هذا الصنف من العلماء و الدعاة هو تهييج الجماهير على الحكام، فإذا لم يكونوا من التهييجيين لم ترضوا عنهم؟
(1) - من مقدمة رسالته الردّ على الجهمية.