الصفحة 44 من 72

ويشهد لهذا: ما جاء عن بعض السلف، أنّ الساكت عن الحق شيطان أخرس، والمتكلم بالباطل شيطان ناطق؛ فلو علم المداهن الساكت، أنّه من أبغض الخلق عند الله، وإن كان يرى أنّه طيب، لتكلم وصدع. ولو علم طالب رضا الخلق، بترك الإنكار عليهم، أنّ أصحاب الكبائر أحسن حالًا عند الله منه، وإن كان عند نفسه صاحب دين، لتاب من مداهنته ونزع. ولو تحقق من يبخل بلسانه عن الصدع بأمر الله أنّه شيطان أخرس، وإن كان صائما قائمًا زاهدًا، لما ابتاع مشابهة الشيطان بأدنى الطمع.

اللّهم إنّا نعوذ بك من كلّ عمل يغضب الرحمن، ومن كلّ سجية تقربنا من التشبه بالشيطان، أو نداهن في ديننا أهل الشبهات والنفاق والكفران. إنتهى كلام العلامة حمد.

-أن لا يبرر جرائم أهل الطّغيان , ويجعل المفسدين في الأرض كالمصلحين.

قال الله تعالى و هو يصف تعنت المعرضين عن شريعته:"و إذا تتلى عليهم ءاياتنا بيّنات قال الّذين لا يرجون لقاءنا إئت بقرآن غير هذا أو بدّله".

فكان طلب المعاندين من الرسول عليه الصّلاة و السّلام أن يبدّل أحكام شريعة الله ربّ العالمين، فأمر الله نبيّه أن يجيبهم:"قل ما يكون لي أن أبدّله من تلقاء نفسي إن أتّبع إلاّ ما يوحى إليّ إنّي أخاف إن عصيتُ ربّي عذاب يوم عظيم"يونس (17) .

فإذا كان رسول الله صلّى الله عليه و سلّم يأمره ربّنا أنّ تبديل أحكام الله ليس له، بل هو مأمور بتبليغ شرع الله، فكيف بغير النبيّ عليه الصّلاة و السّلام؟!

-أن يقود الأمّة ويوجّهها إذا فقدت الأمّة القائد والإمام، فقد تقرّر في السياسة الشرعية أنّ الحكام هم وكلاء عن الأمّة في تطبيق شرع الله جلّ و علا، قال العلاّمة منصور البهوتي [1] : و تصرّفه - أي الحاكم - على الناس بطريق الوكالة لهم، فهو وكيل عن المسلمين. إنتهى

فإذا لم يؤد الحكام دورهم فعلى العلماء أن يأخذوا بزمام الأمور، لا سيما و أنّ لفظة"ولي الأمر"تعني العلماء كما تعني الحكام، ذهب إبن عباس و مجاهد و عطاء و الحسن البصري و أبو العالية أنّ"ولي الأمر"في قوله تعالى:"يا أيّها الّذين ءامنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم"، أنّهم أهل الفقه و الدّين أي العلماء. [2]

قال [3] الإمام إبن القيّم مبيّنا أهمّ أوصاف هذا الصنف من العلماء: ورثة الرسل، و خلفاء الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، و هم الّذين قاموا بالدّين علما و عملا و دعوة إلى الله عزّ و جلّ و رسوله صلّى الله عليه و سلّم، فهؤلاء أتباع الرّسل صلوات الله عليهم و سلامه حقا، و هم بمنزلة الطّائفة الطّيبة من الأرض الّتي زكت، فقبلت الماء فأنبتت الكلأ و العشب الكثير، فزكت في نفسها، و زكا الناس معها، و هؤلاء هم الّذين جمعوا بين البصيرة في الدّين، و القوّة على الدّعوة،

و لذلك كانوا ورثة الأنبياء صلّى الله عليهم و سلّم، الّذين قال الله فيهم: - و أذكر عبادنا إبراهيم و إسماعيل و إسحاق

و يعقوب أولي الأيدي و الأبصار - [4] أي البصائر في دين الله عزّ و جلّ، فبالبصائر يُدرك الحق و يُعرف، و بالقوّة يُتمكّن من تبليغه، و تنفيذه، و الدّعوة إليه. إنتهى

ولا يزال لهذه الأمّة علماء ربّانين ولله الحمد والمنّة، روى الإمام أحمد من طريق معاوية بن أبي سفيان عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: - من يرد الله به خيرا يفقهه في الدّين ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة -، و في لفظ عند البخاري

(1) - كشاف القناع عن متن الإقناع 6/ 160

(2) - تفسير القر آن العظيم للإمام إبن كثير (2/ 203)

(3) - الوابل الصيّب من الكلام الطيّب، (ص: 111 - 112)

(4) - سورة ص، آية: 45

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت