فالمداهنة: ترك ما يجب لله من الغيرة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتغافل عن ذلك، لغرض دنيوي، وهوى نفساني، كما في حديث - رواه البخاري في كتاب الفتن:"إن من كان قبلكم كانوا إذا فعلت فيهم الخطيئة، أنكروها ظاهرًا، ثم أصبحوا من الغد يجالسون أهلها، و يواكلونهم و يشاربونهم كأن لم يفعلوا شيئا بالأمس". فالاستئناس والمعاشرة، مع القدرة على الإنكار، هي المداهنة.
وأما المداراة، فهي: درء الشر المفسد بالقول اللين، وترك الغلظة، أو الإعراض عنه إذا خيف شره، أو حصل منه أكبر مما هو ملابس؛ عن عائشة، رضي الله عنها:"أنه استأذن على النبي رجل، فقال: بئس أخو العشيرة هو. فلما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم، ألان له الكلام، فقالت عائشة: قلت فيه يا رسول الله ما قلت؟ فقال: إن الله يبغض الفحش والتفحش"- رواه البخاري في كتاب الأدب -
قال [1] العلاّمة حمد بن علي بن عتيق: أنّ المداهن لا بد أن يفتح الله له بابًا من الذل والهوان من حيث طلب العز; وقد قال بعض السلف: من ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مخافة المخلوقين، نزعت منه الطاعة؛ فلو أمر ولده أو بعض مواليه لإستخف بحقه، فكما هان عليه أمر الله، أهانه الله وأذله،"نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ" [سورة التوبة آية: 67] .
-أنّها إذا نزلت العقوبات، فالمداهن داخل فيها، كما في قوله تعالى:"وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً" [سورة الأنفال آية: 25] ...
-أنّ المداهن، الطالب رضا الخلق، أخبث حالًا من الزاني والسارق والشارب؛ قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وليس الدّين بمجرد ترك المحرمات الظاهرة، بل بالقيام مع ذلك بالأمور المحبوبة لله، وأكثر الدينين لا يعبؤون منها، إلاّ بما شاركهم فيه عموم الناس، وأمّا الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لله ورسوله وعباده، ونصرة الله ورسوله وكتابه ودينه، فهذه الواجبات، لا يخطرن ببالهم، فضلًا عن أن يريدوا فعلها، فضلًا عن أن يفعلوها. وأقل الناس دينًا، وأمقتهم إلى الله، من ترك هذه الواجبات، وإن زهد في الدنيا جميعها. وقلّ أن يرى منهم من يحمر وجهه، ويتمعر في الله، ويغضب لحرماته، ويبذل عرضه في نصرة دينه؛ وأصحاب الكبائر أحسن حالًا عند الله من هؤلاء. انتهى.
فلو قدر أنّ رجلًا يصوم النهار، ويقوم الليل، ويزهد في الدنيا كلّها، وهو مع ذلك لا يغضب، ولا يتمعر وجهه ويحمر لله، فلا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، فهذا الرجل من أبغض الناس عند الله، وأقلهم دينًا؛ وأصحاب الكبائر أحسن حالا عند الله منه.
وقد حدثني من لا أتهم، عن شيخ الإسلام، إمام الدعوة النجدية، أنّه قال مرّة: أرى ناسًا يجلسون في المسجد على مصاحفهم، يقرؤون ويبكون، فإذا رأوا المعروف لم يأمروا به، وإذا رأوا المنكر لم ينهوا عنه، وأرى أناسًا يعكفون عندهم، يقولون: هؤلاء لِحى غوانم، وأنا أقول: إنهم لِحى فوائن [2] ، فقال السامع: أنا لا أقدر أقول إنهم لحى فوائن، فقال الشيخ: أنا أقول: إنهم من العمي البكم.
(1) - رسالة له بعنوان: وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، ضمن الدرر السنية المجلد الثامن
(2) - أي لحية خبيثة.