فمن الّذي خير و أنفع للورى ... أنتم أم الثيران بالبرهان. [1]
فصل: الصنف الثالث
عالم ملّة
عالم ملّة: وهو العالم الرّبّاني المتّبع للنّص , العامل لمرضاة الله تعالى , المجتهد في معرفة الحقّ , الّذي لا يخلو زمان منه, رحمة من الله تعالى وفضلٍ"لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحق لا يضرّهم من خالفهم و لا من خذلهم".
من أهمّ أوصافه:
-أن يتمثّل فيه صفة العلم، قال [2] أبو عمرو بن الصّلاح و هو يتحدّث عن شروط المفتي: أن يكون فقيه النفس، سليم الذهن، صحيح التصرف و الإستنباط مستيقظا. إنتهى
-أن يعمل بعلمه على قدر الإستطاعة فيما له أو عليه، فالعمل ثمرة العلم.
-أن يدعوا إلى الحق الذي يعرفه ويعلمه، قال [3] الشاطبي و هو يتكلم عما يجب أن يكون عليه المفتي:
و يجب أن يكون ثقة مأمونا لا يتساهل في أمر الدّين. إنتهى
و قال أبو عمر بن الصلاح: و ينبغي أن يكون كالرّاوي في أنّه لا يؤثر فيه قرابة أو عداوة، و جرّ نفع أو دفع ضرّ، و لأنّ المفتي في حكم مخبر عن الشرع بما لا إختصاص له بشخص، فكان كالراوي لا كالشاهد. إنتهى
-أنّه يخشى الله فلا يقول على الله إلاّ الحق، فإن خاف على نفسه سكت ولا يفتري على الله الكذب وهو يعلم، فالكذب على الله و على شرع الله أخطر من الشرك بالله جلّ و علا، قال الله تعالى:"حرّم ربّي الفواحش ما ظهر منها و ما بطن و الإثم و البغي بغير حق و أن تشركوا بالله ما لم يُنزل به سلطانا و أن تقولوا على الله ما لا تعلمون"، فرتّب الله في هذه الآية الذنوب من الأدنى إلى الأعلى، فجعل سبحانه أعظم الذنوب هو القول على الله بلا علم.
-أنّه يصدع بالحق يوم الحاجة , ولا يكتم ما أوجب الله إبلاغه، قال [4] العزّ بن عبد السّلام: ينبغي لكلّ عالم إذا أذلّ الحقّ و أخمل الصواب أن يبذل جهده في نصرتهما، و أن يجعل نفسه بالذلّ و الخمول أولى منهما، و إن عزّ الحقّ و ظهر الصّواب أن يستظلّ بظلّهما، و أن يكتفي باليسير من رشاش
غيرهما:
قليل منك ينفعني و لكن ... قليلك لا يُقال له قليل
و المخاطرة بالنفوس مشروعة في إعزاز الدّين، و لذلك يجوز للبطل من المسلمين أن ينغمس في صفوف المشركين، و كذلك المخاطرة بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و نصرة قواعد الدّين بالحجج و البراهين
(مشروعة) ، فمن خشي على نفسه سقط عنه الوجوب و بقي الإستحباب، و من قال بأنّ التغرير بالنّفس لا يجوز فقد بَعُد عن الحقّ و نأى عن الصّواب. إنتهى
-أنّ لا يداهن في دين الله تعالى ولا يخلط بين المداهنة والمداراة.
(1) 73 - يشبه الإمام إبن القيّم هؤلاء المتعصّبة في دناءتهم و تهافتهم على حطام الدنيا بالذباب إذا رأى طعاما كثر تساقطه فيه، و هم مع ذلك جبناء إذا رأوا هيعة طارت نفوسهم و إنخلعت قلوبهم، و إذا ناظرهم طلبة العلم و العلماء و طالبوهم بالبرهان لم يقدروا على إقامته و كان جوابهم هو جواب أهل التقليد"إنّا و جدنا آباءنا على أمّة و إنّا على آثارهم مهتدون"، فقيل لهم كيف تكفرون و تبدّعون من خالفكم، و أنتم لا علم عندكم بمواضع التكفير و التبديع و الإيمان و الهداية، نحن حيارى من أمركم فلا أنتم من طلبة العلم فضلا أن تكونوا من العلماء في طلب الدليل و البرهان، و لا أنتم ترضون لتتعلّموا لتزيلوا عن أنفسكم غشاوة الجهل و التقليد، فلا نظنّكم إلاّ جماعة من الثيران على أنّ الثيران أنفع و خير منكم أمّا أنتم فما نالت بكم الأرض إلاّ شرّا.
(2) - أدب المفتي و المستفتي (ص: 88)
(3) - الموافقات (4/ 258)
(4) - الملحة في الإعتقاد، ضمن رسائل في التوحيد (ص: 25 - 26)