الصفحة 53 من 72

لمّا إستولى عبد الملك بن مروان على الخلافة بالسيف ألزم الناس أن يُبايعوا لإبنيه من بعده الوليد ثمّ لسليمان و ذلك سنة 85 هج، فأبى سعيد بن المسيّب أن يُبايع و كان إمام أهل المدينة في عصره، فاقترحوا عليه أن يخرج من المدينة إلى العمرة حتّى يُبايع أهل المدينة.

فقال: لا أجهد بدني و انفق مالي في شيء ليس لي فيه نيّة.

فقالوا: ألزم دارك حتّى ينقضي الأمر.

فقال: و أنا أسمع الأذان حيّ على الصّلاة حيّ على الفلاح؟! ما أنا بفاعل.

فقالوا: فإذا قرأ الوالي عليك الكتاب فلا تقل لا و لا نعم.

فقال: فيقول الناس: بايع سعيد بن المسيّب، ما أنا بفاعل.

فقيل له: أدخل من الباب و أخرج من الباب الآخر.

فقال: و الله لا يقتدي بي أحد من الناس.

فأُمر بضربه و سجنه و عرضه على السيف فلم يرجع عن رأيه [1] .

و قد دخل عليه جماعة و هو في السجن، فقالوا: إتّق الله، فإنّا نخاف على دمك.

فقال لهم: أخرجا عنّي، أتراني ألعب بديني كما لعبتما بدينكما. [2]

-الإمام الحسن بن أبي الحسن البصري أبو سعيد، المتوفّى 110 هج.

لمّا وُلّي الحجاج بن يوسف الثقفي العراق بنى لنفسه بناء في واسط، فلمّا فرغ منه نادى في النّاس أن يخرجوا للفرجة عليه و الدّعاء له بالبركة، فلم يشأ الحسن البصري أن يفوّت على نفسه فرصة إجتماع النّاس هذه، فخرج إليهم ليعظهم و يزهدهم بعرض الدّنيا و يرغّبهم بما عند الله تعالى، و لمّا بلغ المكان و نظر إلى جموع النّاس و هي تطوف بالقصر مأخوذة بروعة بنائه، مدهوشة بسعة أرجائه، وقف فيهم خطيبا، و كان في جملة ما قاله: لقد نظرنا فيما إبتنى أخبث الأخبثين فوجدنا أنّ فرعون شيّد أعظم ممّا شيّد و بنى أعلى ممّا بنى، ثمّ أهلك الله فرعون و أتى على ما بنى و شيّد.

ليت الحجاج يعلم أنّ أهل السماء قد مقتوه، و أنّ أهل الأرض قد غرّوه - و بينما هو يتكلّم أشفق عليه أحد السّامعين، فقال له: حسبك يا أبا سعيد حسبك. فقال له الحسن: لقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم ليبيننّه للنّاس و لا يكتمونه [3] .-

و في اليوم التالي دخل الحجاج إلى مجلسه و هو يتميّز من الغيظ، و قال لجلاّسه: تبّا لكم و سحقا، يقوم عبد من عبيد أهل البصرة و يقول فينا ما شاء أن يقول، ثمّ لا يجد فيكم من يردّه أو ينكر عليه، و الله لأسقينّكم من دمه يا معشر الجبناء.

ثمّ أمر بالسيف و النطع فأُحضرا، و دعا بالجلاّد فمُثّل واقفا بين يديه، ثمّ وجّه إلى الحسن بعض الشرطة و أمرهم أن يأتوا به. فأحضر الحسن، فلمّا رأى السيف و النطع و الجلاّد حرّك شفتيه، ثمّ أقبل على الحجاج و عليه جلال المؤمن و عزّة المسلم و وقار الدّاعية إلى الله.

فلمّا رآه الحجاج على حاله هذا هابه أشدّ الهيبة، و قال له: هاهنا يا أبا سعيد .. هاهنا حتّى أجلسه على فراشه، و النّاس ينظرون إليه في دهشة و إستغراب، و لمّا أخذ الحسن مجلسه إلتفت إليه الحجاج يسأله عن بعض أمور الدّين، و الحسن يجيبه بقلب ثابت و بيان ساحر و علم واسع [4] .

(1) - تاريخ خليفة بن خياط (ص: 289) ، تاريخ إبن كثير (9/ 64)

(2) - الجامع لإبن أبي زيد القيرواني (ص: 184)

(3) 101 - فماذا يقول الّذين لا نعرف منهم إلاّ الدفاع عن جرائم حكام هذا الزمان بإسم العلم، فلو كان الحسن في زماننا لإتّهم في منهجه، و أصدرت ضده فتاوى تحرّض الحكام على سجنه.

ثمّ في القصّة ردّ على الفرية المعروفة المشهورة و هي لا يجوز الكلام في الحكام أمام الملأ، ها هو الحسن يسطّر للعلماء العاملين منهج الصدع بالحق و عدم جواز كتمانه، و قد مرّ تقرير هذا.

(4) - فلمّا أخلص خوفه لله وحده أمّنه الله من كلّ المخاوف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت