الصفحة 52 من 72

روى أبو يعلى الموصلي [1] عن أبي قبيل، قال: خطبنا معاوية في يوم جمعة، فقال: إنّما المال مالنا، و الفيء فيئُنا، من شئنا أعطينا، و من شئنا منعنا. فلم يردّ عليه أحد، فلمّا كانت الجمعة الثانية قال مثل مقالته، فلم يردّ عليه أحد، فلمّا كانت الجمعة الثالثة قال مثل مقالته، فقام إليه رجل ممّن شهد المسجد، فقال: كلاّ، بل المال مالنا، و الفيء فيئُنا، من حال بيننا و بينه حاكمناه بأسيافنا. فلمّا صلّى أمر بالرجل فأدخل عليه، فأجلسه معه على السرير، ثمّ أذن للنّاس فدخلوا عليه، ثمّ قال: أيّها النّاس إنّي تكلّمتُ في أوّل جمعة فلم يردّ عليّ أحد، و في الثانية فلم يردّ عليّ أحد، فلمّا كانت الثالثة أحياني هذا، أحياه الله، سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه و سلّم يقول:"سيأتي قوم يتكلّمون فلا يُردّ عليهم، يتقاحمون في النّار تقاحم القردة"؛ فخشيتُ أن يجعلني الله منهم، فلمّا ردّ عليّ أحياني، أحياه الله، و رجوتُ ألاّ يجعلني الله منهم.

أقول: تأمّل كيف ردّ هذا الرجل على أمير المؤمنين معاوية أمام الملأ في مسألة الإستبداد في المال، فكيف يُنكر بعض أهل العلم لمّا يُردّ على الحكام المستبدّين المعطّلين لشرع الله جلّ و علا أمام الملأ؟!

الصحابيّ الجليل عبد الرحمن بن أبي بكر، المتوفّى 58 هج

في خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أراد أن يُبايع النّاس إبنه يزيد سنة 56 هج، و يعهد بالأمر إليه من بعده إعترض عليه كبار الصحابة و فقهاؤهم في تلك الفترة، و من بينهم عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنهم، فقد قطع على معاوية خطبته، و قال له: إنّك و الله لوددت أنا وكّلناك في أمر إبنك إلى الله، و إنّا و الله لا نفعل، و الله لتردنّ هذا الأمر شورى بين المسلمين، أو لنعيدنّها عليك جذعة (أي الحرب) [2] ، ثمّ خرج. [3]

و لمّا قال مروان بن الحكم في بيعة يزيد:"سنّة أبي بكر الرّاشدة المهديّة [4] "

ردّ عليه عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال: ليس بسنّة أبي بكر، و قد ترك أبو بكر الأهل و العشيرة، و عدل إلى رجل من بني عديّ، أن رأى أنّه لذلك أهل، و لكنّها هرقلية [5] . [6]

و في رواية [7] : جئتم بها هرقلية تبايعون لأبنائكم.

-الإمام سعيد بن المسيّب المتوفّى 93 هج

(1) - رقم: 7383، قال الهيثمي في مجمع الزّوائد: رواه الطبراني في الكبير و الأوسط، و أبو يعلى، و رجاله ثقات. و الحديث في السلسلة الصحيحة للألباني (رقم: 1790)

(2) - كان إختيار الخليفة مبنيّ على الشورى، فلمّا جعلها معاوية مسألة وراثية غضب أصحاب رسول الله عليه الصّلاة و السّلام، فكيف لو رأوا أسلوب الحكم في زماننا، ثمّ تأمّل كيف قطع عبد الرحمن خطبة الأمير و نصحه في الملأ، بخلاف ما يتبجّح به الكثير في هذا الزمان بأنّه لا يجوز نصح الحاكم أمام الملأ، لا يجوز نصحه امام الملأ في الأمور الّتي لم تتعدّ لغيره، أمّا مسألة الإنحرافات في الحكم و الّتي تتعدّى مفاسدها إلى الأمّة فيُشرع نصح الحاكم أمام الملأ.

ثمّ تأمّل تهديده بالحرب، و لا أحد إتّهم أبا عبد الرحمن بأنّه تهييجي، أو خارجيّ.

(3) - تاريخ خليفة بن خياط (ص: 214)

(4) - أي لمّا ولّى معاوية الإمارة لإبنه يزيد، كانت شبهتهم تولية أبو بكر الخلافة لعمر رضي الله عنه

(5) - أي أنّكم إتبعتم سنّة هرقل في توريث الحكم، و ليست سنّة أبي بكر.

(6) - تاريخ الإسلام للإمام الذهبي أحداث سنة 51 هج

(7) - ذكرها الحافظ إبن حجر في الفتح (8/ 577)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت