فقال له الحجاج: أنت سيّد العلماء يا أبا سعيد. ثمّ دعا بغالية و طيّب له بها لحيته و ودّعه. و لمّا خرج الحسن من عنده تبعه حاجب الحجاج، و قال له: يا أبا سعيد لقد دعاك الحجاج بغير ما فعل بك، و إنّي رأيتك عندما أقبلت و رأيت السيف و النّطع فحرّكت شفتيك، فماذا قلت؟. فقال الحسن: لقد قلت: يا وليّ نعمتي و ملاذي عند كربتي، إجعل نقمته بردا و سلاما عليّ كما جعلت النّار بردا و سلاما على إبراهيم.
-الإمام عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الأوزاعي المتوفى: 158 هج
لمّا دخل عبد الله بن عليّ دمشق، بعد أن أجلى بني أميّة عنها، طلب الأوزاعي، فتغيّب عنه ثلاثة أيام ثمّ حضر بين يديه.
قال الأوزاعي: دخلت عليه و هو على سرير و في يده خيزرانة و المسودّة عن يمينه و شماله معهم السيوف مصلتة، و الغمد و الحديد، فسلّمت عليه فلم يردّ، نكت بتلك الخيزرانة الّتي في يده، ثمّ قال: يا أوزاعي ما ترى فيما صنعناه من إزالة أيدي أولئك الظلمة عن العباد و البلاد؟ أجهادا و رباطا هو؟.
فقلت: أيّها الأمير سمعت يحي بن سعيد الأنصاري التيمي يقول: سمعت محمد بن إبراهيم يقول: سمعت علقمة بن وقّاص يقول: قال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله صلّى الله عليه و سلّم يقول:"إنّما الأعمال بالنّيات، و إنّما لكلّ إمرئ ما نوى .."
فنكت بالخيزرانة أشدّ ما ينكت و جعل من حوله يقبضون أيديهم على قبضات سيوفهم.
ثمّ قال: يا أوزاعي ما تقول في دماء بني أميّة؟.
فقلت: قال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم:"لا يحلّ دم إمرئ مسلم إلاّ بإحدى ثلاث، النّفس بالنّفس، و الثيّب الزّاني، و التّارك لدينه المفارق للجماعة"
فنكت أشدّ من ذلك، ثمّ قال: ما تقول في أموالهم؟.
قلت: إن كانت في أيديهم حراما فهي حرام عليك أيضا، و إن كانت حلالا فلا تحلّ لك إلاّ بطريق شرعيّ.
فنكت أشدّ ما كان ينكت قبل ذلك، ثمّ قال: ألا نوليك القضاء؟.
قلت: إنّ أسلافك لم يكونوا يشقّون عليّ في ذلك، إنّي أحبّ ما إبتدأوني به من الإحسان.
فقال: كأنّك تحبّ الإنصراف؟.
فقلت: إنّ ورائي حرما و هنّ يحتجن القيام عليهن و سترهن، و قلوبهن مشغولة بسببي.
إنتظرت رأسي أن يسقط بين يدي، فأمرني بالإنصراف.
رغم خوفه لم يداهن بل صدع بالحقّ.
-سفيان بن سعيد الثوريّ أبو عبد الله الكوفي المتوفّى 161 هج.
/ قال الإمام سفيان: لمّا حجّ المهدي أبو عبد الله محمد بن جعفر المنصور، قال: لابدّ لي من سفيان. فوضعوا لي الرصد حول البيت، فأخذوني باللّيل، فلمّا مثلت بين يديه، قال لي: لأيّ شيء لا تأتينا فنستشيرك في أمرنا؟ فما أمرتنا من شيء صرنا إليه، و ما نهيتنا عن شيء إنتهينا عنه.
فقلت: كم أنفقت في سفرك هذا؟. فقال: لا أدري، لي أمناء و وكلاء.
قلت: فما عذرك غدا إذا وقفت بين يدي الله تعالى فسألك عن ذلك؟ لكنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمّا حجّ، قال لغلامه: كم أنفقت في سفرنا هذا؟ [1] .
قال: يا أمير المؤمنين، ثمانية عشر دينارا.
فقال: ويحك أجحفنا بيت مال المسلمين.
(1) 103 - فكيف بحال حكّام هذا الزمان الّذين يلعبون بأموال الأمّة، بل جعلوها مسخّرة لأعداء هذه الملّة، أين هؤلاء الّذين يزعمون أنّهم علماء الّذين إعتادوا الدّخول على الحكّام من مثل هذه المحاسبة لهم؟ فإن قيل: هذا لا يلزم على الرعية معرفته فالعلماء يقومون بدورهم. الجواب: و ما بال علماء السلف تحدّثوا عمّا كان يجري بينهم و بين حكّام زمانهم، ثمّ ما قولكم في موقف الحسن حيث نصح و تحدّث عن الحجاج أمام الملأ أم هو عندكم ثوريّ، حركيّ، تكفيريّ و خارجيّ، أليست هذه هي الألقاب التّي تُطلق على كلّ من أراد أن يوقظ الأمّة من سباتها؟. .