الصفحة 40 من 72

قال [1] إبن القيّم: طريق أهل العلم طلب أقوال العلماء و ضبطها و النظر فيها و عرضها على القرآن و السنن الثابتة عن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم و أقوال الخلفاء الرّاشدين [2] فما وافق ذلك منهم قبلوه و دانوا الله به

و قضوا به و أفتوا به، و ما خالف ذلك منها لم يلتفتوا إليه و ردّوه، و ما لم يتبيّن لهم كان عندهم من مسائل الإجتهاد الّتي غايتها أن تكون سائغة الإتباع لا واجبة الإتباع، من غير أن يلزموا بها أحدا، و لا يقول أنّها الحق دون ما خالفها، هذه طريقة أهل العلم سلفا و خلفا، و أمّا هؤلاء الخلف فعكسوا الطريق، و قلّبوا أوضاع الدّين، فزيّفوا كتاب الله و سنّة رسوله و أقوال خلفائه و أصحابه، فعرضوها على أقوال من قلّدوه، فما وافقها منها قالوا:"لنا ..."و إنقادوا له مذعنين، و ما خالف أقوال متبوعهم منها، قالوا:"إحتجّ الخصم بكذا و كذا"و لم يقبلوه، و لم يدينوا به، و إحتال فضلاؤهم في ردّها بكلّ ممكن، و تطلّبوا لها الحِيَل الّتي تردّها، و إذا كانت موافقة لمذاهبهم و كانت تلك الوجوه بعينها قائمة فيها شنّعوا على منازعهم، و أنكروا عليه ردّها بتلك الوجوه بعينها،

و قالوا:"لا تردّ النصوص بمثل هذا"و من له همّة تسموا إلى الله و مرضاته، و نصر الحق الّذي بعث الله به رسوله أين كان و مع من كان لا يرضى لنفسه بمثل هذا المسلك الوخيم و الخلق الذميم. إنتهى

تنبيه:

ننبه هؤلاء المتعصّبة أنّه لا يلزم كون العالم معذورا مأجورا في قول أو فعل أخطأ فيه أن يكون كلّ من وافقه على ذلك معذورا مأجورا أيضا.

ما منهم أحد دعا لمقالة ... غير الحديث و مقتضى الفرقان

فالقوم لم يدعوا إلى غير الهدى ... و دعوتم أنتم لرأي فلان

شتان بين دعوتين فحسبكم ... يا قوم ما بكم من الخذلان [3]

قالوا لنا لمّا دعوناهم إلى ... هذا مقالة ذي هوى ملآن

ذهبت مقادير الشيوخ و حرمة ... العلماء بل عبرتهم العينان

و تركتم أقوالهم هدرا و ما ... أصغت إليها منكم أذنان

لكن حفظنا نحن حرمتهم و لم ... نعد الّذي قالوه قدر بنان [4]

يا قوم و الله العظيم كذبتم ... و أتيتم بالزور و البهتان

و نسبتم العلماء للأمر الّذي ... هم منه أهل براءة و أمان

و الله ما أوصاكم أن تتركوا ... قول الرسول لقولهم بلسان

كلا و لا في كتبهم هذا بلى ... بالعكس أوصاكم بلا كتمان

إذ قد أحاط العلم منهم أنّهم ... ليسوا بمعصومين بالبرهان

كلا و ما منهم أحاط بكلّ ما ... قد قاله المبعوث بالقرآن

فلذاك أوصاكم بأن تجعلوا ... أقوالهم كالنص في الميزان

(1) - إعلام الموقعين 2/ 160

(2) 68 - بل صار في هذا الزمان عرض نصوص القرآن و السنّة على أقوال الرجال فإذا وافقت أقوالهم طاروا بها كلّ مطار، و إذا خالفت نالها نصيب من التحريف و التبديل، أمّا عن أقوال السلف و فهمهم فصارت لهم عبارة يرددونها و هي:"هذا الزمان مغاير عن زمن السلف، فلابدّ أن نرجع إلى علماء هذا الوقت"و طبعا يقصدون بالعلماء من يتعصّبون إليهم.

(3) 69 - أي هؤلاء الّذين تعادونهم من أهل الحق، لم يدع أحد منهم إلى مقالة مبتدعة، و إنّما دعوا إلى الأخذ بما في كتاب الله و سنّة رسوله عليه الصّلاة و السّلام، أمّا أنتم فتعرضون عن الكتاب و السنّة من أجل رأي فلان و علان ممّن يجوز عليه الخطأ.

(4) 70 - و لمّا ندعوا هؤلاء إلى الكتاب و السنّة نفروا و قالوا مقالة المغيظ: لقد أزريتم بأقدار العلماء حيث تدعون إلى ترك أقوالهم و عدم الإصغاء إلى أرائهم - يقولون - أمّا نحن فقد حفظنا حرمتهم حيث لم نتجاوز أقوالهم. هكذا يقولون و هذا نهج المقلدة الجامدين في كلّ زمان يتّهمون الّذين يدعون إلى الكتاب و السنّة بأنّهم يتهجّمون على العلماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت