إذًا المسألة تحتاج إلى علم لا إلى مزايدات و قلاقل و بلبلات.
مسألة: التحذير من داء التعصّب
عجبا لبعض أتباع هذا الصنف من العلماء، إذا ما وجدوا أحدا خالف عالمهم يبادرونه بالنكير و ياليت النكير كان على وفق الدليل، بل هو نكير المتعصب المفلس، نكيرهم يقع في جملة واحدة و هي:"أ أنت أعلم أم الشيخ"
أو يقولون:"لا بدّ من الرجوع إلى أهل العلم"و طبعا لا يقصدون إلاّ من يتّبعونه و كأنّه لا عالم في الوجود إلاّ متبوعهم، فيا لله لدينه و كتابه و سنّة رسوله، و لبدعة كادت تشل عرش الإيمان و تهدّ ركنه، لولا أنّ الله ضمن لهذا الدّين أن لا يزال فيه من يتكلّم بأعلامه و يذبّ عنه، قال [1] الإمام إبن القيّم: فمن أسوأ ثناء على الصحابة
و التابعين و سائر علماء المسلمين، و أشدّ إستخفافا بحقوقهم، و أقلّ رعاية لواجبهم، و أعظم إستهانة بهم ممّن لا يلتفت إلى قول رجل منهم، و لا إلى فتواه غير صاحبه الّذي إتّخذه وليجة من دون الله و رسوله. إنتهى
فما يجب أن يعرفه هؤلاء المتعصبة الّذين يزعمون أنّهم من أتباع الحق و من أتباع منهج السلف ثمّ يجعلون هؤلاء الصنف من العلماء جنّة لنصرة ما يهوونه هم فإنّ هذا التدليس منهم و الكذب لن يدوم فالله سبحانه عليم ما بذات الصدور.
قال الإمام إبن القيّم:
و كذاك جعلكم المشايخ جنّة ... / ... بخلافة و القصد ذو التبيان
و الله يشهد ذا بحذر قلوبكم ... و كذا يشهده أولو الإيمان
و الله ما عظّمتموه طاعة ... / ... و محبّة يا فرقة العصيان
أنّى و جهلكم به و بدينه ... و خلافكم للوحي معلومان
أوصاكم أشياخكم بخلافهم ... / ... لوفاقه في سالف الأزمان
خالفتم قول الشيوخ و قوله ... فغدا لكم خلفان متفقان.
فالحق لا يعرف بفلان أو علان بل بالدليل و على ما كان عليه السلف الصالح.
إنّ معارضة الدليل من أجل قول فلان مهما كان إسمه و مهما علا رسمه هي سنّة اليهود و النصارى الّذين إتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله يحرّمون لهم ما أحلّه الله، و يحلّون لهم ما حرّمه الله بالتحريف و التبديل، و إنّه لو فتح هذا الباب - يعني المعارضة بـ"أنت أعلم أم فلان"- لوجب أن يعرض عن أمر الله ورسوله ويبقى كلّ إمام في أتباعه بمنزلة النبيّ صلى الله عليه وسلم في أمّته، وهذا تبديل للدّين.
قال عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم و تقولون قال أبو بكر و عمر.
و قال الإمام أحمد بن حنبل: عجبتُ لقوم عرفوا الإسناد و صحّته، و يذهبون إلى رأي سفيان، و الله تعالى يقول: - فليحذر الّذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم - أتدري ما الفتنة؟. الفتنة الشرك. إنتهى
قال أبو جعفر إبن جرير عن الضحاك: - فليحذر الّذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم - قال: يطبع على قلبه فلا يؤمن أن يظهر الكفر بلسانه فتضرب عنقه.
قال [2] الإمام الشاطبي: لا ينبغي أن ينقل حكم شرعي عن أحد من أهل العلم إلاّ بعد تحقّقه و التثبت لأنّه مخبر عن حكم الله، فإيّاك و التساهل فإنّه مظنّة الخروج عن الطريق الواضح إلى السيئات؛ و ليس لأحد من الخلق أن يخترع في الشريعة من رأيه أمرا لا يوجد عليه منها دليل لأنّه عين البدعة. إنتهى
قال الإمام إبن القيّم واصفا هؤلاء المتعصّبة:
عرضوا النصوص على كلام شيوخهم ... فكأنّها جيش لذي سلطان
و العزل و الإبقاء مرجعه إلى السلطان ... دون رعية السلطان
و كذا أقوال الشيوخ فإنّها الميزان ... دون النص و القرآن
إن وافقا قول الشيوخ فمرحبا ... أو خالفت فالدفع بالإحسان
إمّا بالتأويل فإن أعيا ... فتفويض و نتركها لقول فلان
(1) - إعلام الموقّعين 2/ 149
(2) - الإعتصام