الصفحة 37 من 72

* قال الله تعالى:"إنّ الّذين يجادلون في ءايات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلاّ كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنّه هو السّميع البصير"غافر (الآية: 56)

و هذه الآية كذلك جاءت لتؤكّد المسائل المستخلصة من الآيات السّابقة، و فيها أمر زائد أنّ هؤلاء مغلوبون، و أنّ الحقّ منتصر.

قال عبد الرحمن السعدي في تفسير هذه الآية: يخبر تعالى أنّ من جادل في آياته ليبطلها بالباطل بغير بيّنة من أمره و لا حجّة، إنّ هذا صادر من كبر في صدورهم على الحقّ و على من جاء به، يريدون الإستعلاء بما معهم من الباطل، فهذا قصدهم و مرادهم، و لكن هذا لا يتمّ لهم، و ليسوا ببالغيه، فهذا نصّ صريح و بشارة بأنّ كلّ من جادل الحقّ أنّه مغلوب، و كلّ من تكبّر عليه فهو في نهايته ذليل. إنتهى

شبهة و الردّ عليها:

يقولون: هل هذا يعني تكفير بعض العلماء؟

الجواب: أوّلا: التكفير حكم شرعيّ مردّه إلى الكتاب و السنّة، لا إلى الأهواء و الرغبات، و قد أرشدنا الشرع أنّ التكفير هو على حالتين، الحالة الأولى: التكفير بإطلاق، و الحالة الثانية تكفير المعيّن، كلّ من هاتين الحالتين ورد في الكتاب و السنّة و في هدي سلف الصالح.

أمّا المقصود بالتكفير بإطلاق: هو الحكم بالكفر على القول أو الفعل أو الإعتقاد الذي ينافي أصل الإسلام ويناقضه على سبيل الإطلاق بدون تعيين فيقال مثلا: من قال كذا، أو فعل كذا فهو كافر، وهذا التكفير العام المطلق يجب القول بعمومه وإطلاقه.

أمّا تكفير المعيّن: فهو الحكم على المعين بالكفر لإتيانه بأمر يناقض الإسلام وهذا يختلف بإختلاف المسألة التي وقع فيها كأن تكون ظاهرة أو خفية، فلا تلازم بين من وقع في الكفر ووقوع الكفر عليه دائما.

ثانيا: تكفير المعيّن لا يكون إلاّ بتوفّر شروط و إنتفاء موانع، فلا ينبغي الإقدام على تكفير المعيّن إلاّ بعد تثبّت و تأكّد من أنّ الأمر الّذي وقع فيه المعيّن هو من نواقض الإسلام، ثمّ التأكّد من أن المعيّن وقع فيه حقّا.

و من هنا تعلم أنّه ليس بمجرّد وقوع المعيّن في ناقض من نواقض الإسلام يكفر، بل لابدّ من توفر الشروط و إنتفاء الموانع.

ثالثا: مسألة التعيين، لابدّ ان تدرس الحالات المعيّنة كلّ واحدة منها على حدة، فليس من الشريعة التكفير بالجملة أو التبديع بالجملة كما ظهر عند جماعات وقعت إمّا في الغلوّ في التكفير و الأخرى وقعت في الغلوّ في التبديع و التضليل، بل لكلّ شخص له حالاته يجب مراعاتها في الأحكام، لأنّ إطلاق الحكم على المعيّن هو مرتبط بمسائل القضاء أكثر ممّا هو مرتبط بمسائل الفتوى.

رابعا: الحكم على المعيّن في الغالب مبناها على الإجتهاد فهي من العلم الذي سبيله النظر والاجتهاد والاستدلال، و ليس من العلم الضروري القطعي الّذي يكفر فيه المخالف.

خامسا: لابدّ من التفريق بين أصناف العلماء من حيث منهجهم العام، فمن عُرف من حاله و منهجه تحرّي الصواب و إتباع الحق و بذل الجهد في الوصول إلى الهدى، ليس في نفس الرتبة من عُرف من حاله إتباع الشاذ من الأقوال، و الفتوى بالرخص، و الدفاع عن الظلم، و الحرص على المنصب، فالأوّل قد يُعذر بما لا يُعذر به الثاني.

فبعد هذا البيان لا يفتري علينا أحد أنّنا نكفر العلماء، بل المسألة مبنية على التحرّي، و إسقاط الدليل على الحالة المدروسة، و ليست مبنية على التشهي و إتباع الهوى.

سادسا: ثمّة من العلماء من وقع في الكفر و لا يقع الكفر عليه لوجود مانع و لعدم توفر شرط، كما أنّه يوجد من يُنسب إلى أهل العلم من يكفر، ألم يكفر السلف جهم بن صفوان، ألم يكفر السلف جعد بن درهم، ألم يكفر العلماء محي الدّين بن عربي، ألم يكفر العلماء الحلاج، و غيرهم و غيرهم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت