و هذا لا يلزم التشهير بهذا العالم أو إبعاد الناس عنه و إسقاطه، فهذا يرجع إلى المنهج العام لهذا العالم، و كذلك الموازنة بين المسائل الّتي أصاب فيها الحق و بين المسائل الّتي زلّ فيها.
قال [1] الإمام النووي رحمه الله تعالى: إنّ ضبط الراوي يعرف بأن تكون روايته غالبا كما روى الثقات لا تخالفهم إلاّ نادرا فإن كانت مخالفته نادرة لم يُخِل ذلك بضبطه بل يحتج به لأنّ ذلك لا يمكن الإحتراز منه، وإن كثرت مخالفته إختل ضبطه ولم يحتج برواياته وكذلك التخليط في روايته وإضطرابها إن نَدُر لم يضر وإن كثر ردّت روايته"اهـ)"
أمّا مخالفة العالم للثوابت الشرعية فهو على قسمين إن وقع، أوضحها الإمام الشاطبي في موضع آخر فقال [2] :
(أن يخالف أصلا مخالفة ظاهرة من غير إستمساك بأصل آخر، فهذا لا يقع من مفت مشهور، إلاّ إذا كان الأصل لم يبلغه، كما وقع لكثير من الأئمة حيث لم يبلغهم بعض السنن فخالفوها خطأ، وأمّا الأصول المشهورة فلا يخالفها مسلم خلافا ظاهرا من غير معارضة بأصل آخر، فضلا عن أن يخالفها بعض المشهورين بالفتيا.
و القسم الثاني: ... أن يخالف الأصل بنوع من التأويل هو فيه مخطئ) انتهى
الثالث: كونه ليس من أهل هذه المرتبة فلم يصر العلم له وصفا مع عدّه من أهله، و هذا يرجع إلى غلط في إعتقاد العالم في نفسه أو إعتقاد غيره فيه. إنتهى
بهذا تعلم أنّنا ما حصرنا الخلاف في نوع واحد كما فعل المخالف، و لم ننبز كلّ مخالف بأنواع الألقاب كما يفعل المخالف، و لم نأمر بهدر كلّ إجتهادات من زلّ أو أخطأ كما يفعل المخالف، بل نميّز بين خلاف و خلاف، كما نميّز بين الخطأ و الخطأ، و نميّز بين المخطئ الّذي كثر صوابه، من المخطئ الّذي صار من منهجه العام هو إتباع البدعة و نصرتها و إحياء الشاذ من الأقوال و نشرها و ردّ المحكمات [3] .
بعدما أوضحنا الصنف الأوّل من قسم علماء الدولة، نوضح أنّ لهذا القسم صنف آخر، و هو:
الصنف الثاني من هؤلاء من لم يصحّ بمعيار العلم أنّه من العلماء، بل سلك هذا الدرب من أجل تحقيق رغباته الشخصية كحصول على المنصب و الجاه و المال، و هذا من الغدر و الخيانة في الدّين،"والخيانة والغدر مسقطة تماما لحرمة العرض، فيجوز وصف"العالم"الذي هذه حاله و هذا هو وصفه بأنّه عالم فاسد أو عالم خائن أو عالم منافق، كلٌّ بحسب فعله الخياني ودرجته؛ وإذا كان عمر قد أطلق لقب (منافق) على حاطب رضي الله عنه وحاطب قد شهد بدرا، ومع ذلك لم ينكر عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإنّما قال إنّ حاطب قد شهد بدرا .. وهو ومن شهد بدرا مغفور لهم على الخصوص .. فما أسهل إطلاق لقب منافقين على هؤلاء الشيوخ الذين يكرسون كلّ الظلم والفجور والكفر الذي إستبيحت الأمّة به بل ويجعلون لهذا الفجور غطاء شرعيا يزعمون بعدها أنّه عين ما يرضي الله!!"
ولذا فإنّ من الكذب والدجل في دين الله أن يقال (لحوم العلماء مسمومة) ليست مسمومة بإطلاق بل بعضها من اللحم الحلال عندما يخون العالم أمّته ويسكت عن الكفر والخيانة بل ويبررها للحكام ويوجد الأعذار للحكام للإستمرار في أفعالهم لينال منهم بعد ذلك ما يحقق شهواته.
إنّ المهمة الشرعية للعلماء ليست أن يكونوا علماء عند الحاكم أي موظفين عنده فهؤلاء ليسوا علماء بل هؤلاء
(1) - شرح مقدّمة صحيح مسلم
(2) - الإعتصام
(3) - و فقني الله بوضع بحث في هذا الصدد بعنوان: نريد ان يسكت الّذي لا يعرف، و قد تمّ نشره و لله الحمد.