قال [1] الإمام إبن القيّم: فإنّ الله سبحانه أمر بسؤال أهل الذكر، و الذكر هو القرآن و الحديث الّذي امر الله نساء نبيّه عليه الصّلاة و السّلام أن يذكرنه بقوله:"و أذكرن ما يُتلى في بيوتكن من ءايات الله و الحكمة"، فهذا هو الذكر الّذي أمرنا الله بإتباعه، و أمر من لا علم عنده أن يسأل أهله، و هذا هو الواجب على كلّ أحد أن يسأل أهل العلم بالذكر الّذي أنزله على رسوله ليُخبره به، فإذا أخبره به لم يسعه غير إتّباعه، و هذا كان شأن أئمّة أهل العلم لم يكن لهم مقلد معيّن يتّبعونه في كلّ ما قال، و لم يكن أحد من أهل العلم قط يسأل عن رأي رجل بعينه و مذهبه فيأخذ به وحده و يخالف ما سواه. إنتهى
الشبهة الثالثة:
أنّ هؤلاء علماء و من حقّ العالم أن يجتهد، و لا إنكار في مسائل الإجتهاد، و تصنيفكم العلماء إلى هذه الأصناف تكونوا قد حصرتم الخلاف في نوع واحد و هو خلاف التضاد.
الجواب:
لم نحصر الخلاف في نوع واحد، فالّذي حصر الخلاف في خلاف التضاد هم كثير ممّن يُنسب إلى أهل العلم حيث نبزوا كلّ من خالفهم بأنواع من الألقاب الّتي ما أنزل الله بها من سلطان و لا ثبتت عن سلف الصّالح كلقب التكفيري، مع أنّ المسائل الّتي من أجلها ينبزون مخالفيهم بمثل اللقب الآنف الذكر هي من المسائل المتّفق عليها بين علماء الأنام كمسألة القوانين الوضعية فكلّ العلماء المعتبرين إتّفقوا أنّها كفر بواح إلاّ من زلّ في هذه المسألة، و مع ذلك يُنبز من ذهب إلى هذا المذهب بأنّه تكفيري [2] ، فمن الّذي حصر الخلاف في نوع واحد و ضاق صدره من الرّأي المخالف؟!، و حتّى نجلّي المسألة أكثر.
ما يجب معرفته أنّ أحكام الشريعة قسمان: الأوّل ثوابت الشريعة، قال [3] الشيخ صلاح الصاوي: هي القطعيات و مواضع الإجماع الّتي أقام الله بها الحجّة بيّنة في كتابه أو على لسان رسوله صلّى الله عليه و سلّم، و لا مجال فيها للتطوير أو الإجتهاد، و لا يحلّ الخلاف فيها لمن علمها، بالإضافة إلى بعض الإختيارات العلمية الراجحة الّتي تمثل مخالفتها نوعا من الشذوذ أو الزلل. إنتهى
الثانية: متغيّرات الشريعة قال الشيخ الصاوي: هي موارد الإجتهاد، و كلّ ما لم يقم عليه دليل قاطع من نصّ صحيح أو إجماع صريح. إنتهى
فما كان من ثوابتها لا يجوز الإجتهاد فيها فضلا عن تحريفها أو تبديلها أو حذفها فهذا لا يصدر من عالم راسخ في العلم بل من صاحب هوى و غرض فاسد، و إن حصل شيء من ذلك للعالم الرّاسخ فتكون على سبيل الفلتة
و الزلّة، أمّا أن يصير هذا منهجا له و مسلكا فهذا مبتدع منحرف.
قال [4] الإمام الشاطبي: أنّ الرسوخ في العلم يأبى العالم أن يخالفه، لأنّ ما صار كالوصف الثابت لا يتصرّف صاحبه إلاّ على وفقه إعتيادا، فإن تخلّف فعلى ثلاثة أوجه: الأوّل: مجرّد عناد، قال تعالى:"ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعدما تبيّن لهم الحق"و أشباه ذلك و الغالب على هذا الوجه أن لا يقع إلاّ لغلبة الهوى من حب دنيا أو جاه أو غير ذلك بحيث يكون وصف الهوى قد غمر القلب حتّى لا يعرف معروفا و لا ينكر منكرا.
الثاني: الفلتات الناشئة عن الغفلات الّتي لا ينجو منها البشر، فقد يصير العالم بدخول الغفلة غير عالم) أقول:
(1) - إعلام الموقعين (2/ 164)
(2) - لله الحمد و المنّة حيث وفّقني أن أضع رسالة طرحتُ فيها اهمّ المسائل الّتي على أساسها ظهر التنابز بهذا اللقب، و هي بعنوان: ماذا تقصدون بالمنهج التكفيري.
(3) - كتاب الثوابت و المتغيّرات في مسيرة العمل الإسلامي المعاصر.
(4) - الموافقات1/ 1/40