أقول لهذا النوع من هذا الصنف من العلماء إن كانوا صادقين مع ربّهم، ما قاله عبد الرحمن بن محمد بن حجر الحسني الجزائري
يا معشر العلماء إنّ سكوتكم ... / ... من حجة الجهال كلّ زمان
يا معشر العلماء هبوا هبة ... / ... قد طال نومكم إلى ذا الآن
يا معشر العلماء قوموا قومة ... / ... لله تعلي كلمة الإيمان
يا معشر العلماء عزمة صادق ... / ... متجرد لله غير جبان
الشبهة الثانية:
قالوا إنّ جلّ هؤلاء العلماء هم ضمن هيئات شرعية، و بالتالي الفتوى الّتي تصدر هي فتوى جماعية و ليست فردية، فكيف يكون الحق مع الأفراد أقرب و من الجماعة أبعد؟.
الجواب:
أوّلا: إنّ الحق لا يُعرف إلاّ إذا وافقه الدليل، فكلّ كلام و كلّ فتوى جاء الدليل يُعارضها فهو كلام و فتوى مردودة أيّ كان قائلها.
ثانيا: إذا حصل الخلاف في مسألة شرعية فالمردّ إلى الكتاب و السنّة هكذا أمر الله جلّ و علا، فلو كان ثمّة شيئا غير الكتاب و السنة يحسم الخلاف لأمر الله به و ما كان ربّك نسيّا، قال سبحانه:"فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله و رسوله إن كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر ذلك خير و أحسن تأويلا".
و تأمّل إلى قوله:"في شيء"فهو نكرة في سياق الشرط تفيد العموم، أي فإن تنازعتم في أيّ شيء فردّوه إلى الله و رسوله أي إلى كتابه و سنّة رسوله عليه الصّلاة و السّلام.
و تأمّل إلى قوله:"ذلك خير و أحسن تأويلا".
فلم يجعل ربّنا معيار معرفة الحق من الباطل عند الخلاف ما عليه الأكثر و الجمهور، بل المعيار هو موافقة الدليل
ثالثا: كون هؤلاء العلماء مجتمعون تحت أيّ مظلّة لا تجعلهم معصومين عن الخطأ و الزلل لا سيما إذا عرفنا نقطتين: - أنّ هذه الهيئات و المجامع لم تضمّ كلّ علماء العصر.
-و أنّ هذه الهيئات هي متنوّعة و ليست مجتمعة في هيئة واحدة، و قد تختلف فيما بينها.
قال [1] الإمام إبن القيّم: إنّ أقوال العلماء و آراءهم لا تنضبط و لا تنحصر، و لم تضمن لها العص مة إلاّ إذا إتّفقوا و لم يختلفوا، فلا يكون إتّفاقهم إلاّ حقّا، و من المحال أن يُحيلنا الله و رسوله على ما لا ينضبط و لا ينحصر، و لم يضمن لنا عصمته من الخطأ، و لم يقل لنا دليلا على أنّ أحد القائلين أولى بأن نأخذ قوله كلّه من الآخر، بل يترك قول هذا كلّه و يؤخذ قول هذا كلّه، هذا محال أن يشرّعه الله أو يرضى به إلاّ إذا كان أحد القائلين رسولا، و الآخر كاذبا على الله. إنتهى
فصار المعيار لمعرفة الحق من الباطل، و الصواب من الخطأ، و الهدى من الضلال هو الكتاب و السنّة، و تأمل إلى ما قاله [2] العلاّمة عبد الرحمن المعلّمي و هو يتحدّث عن عمل أهل المدينة، وما أدراك ما عمل أهل المدينة: و أمّا عمل أهل جهة من الجهات فلم يسلّم الأئمّة لمالك إحتجاجه بعمل أهل المدينة، مع أنّها معدن الإسلام، و أهلها حينئذ الصّحابة و التابعون و كثير منهم أئمّة مجتهدون، و كانوا من العلم و المعرفة و الحرص على إتّباع السنّة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في أعلى الطبقات، فما بالك بعمل أهل جهة أخرى بعد أن عزّ العلم الصحيح و كثر علماء السوء و إنتشر دعاة البدع، و فُقد الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و صار من بقي من العلماء شعارهم: عليك بخويصة نفسك، و دع عنك أمر العامّة. إنتهى
رابعا: لم يكلّفنا الله سبحانه عند السؤال أن نرجع إلاّ لأهل الذكر و هم أهل القرآن و السنة، فكلّ من كان من أهل الذكر كان أهلا للسؤال سواء وُجد ضمن هيئة أم لم يوجد، قال سبحانه:"فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"
(1) - إعلام الموقعين (2/ 162)
(2) - رسالة في تحقيق البدعة، ص: 33