الصفحة 33 من 72

أقول لهذا النوع من هذا الصنف من العلماء إن كانوا صادقين مع ربّهم، ما قاله عبد الرحمن بن محمد بن حجر الحسني الجزائري

يا معشر العلماء إنّ سكوتكم ... / ... من حجة الجهال كلّ زمان

يا معشر العلماء هبوا هبة ... / ... قد طال نومكم إلى ذا الآن

يا معشر العلماء قوموا قومة ... / ... لله تعلي كلمة الإيمان

يا معشر العلماء عزمة صادق ... / ... متجرد لله غير جبان

الشبهة الثانية:

قالوا إنّ جلّ هؤلاء العلماء هم ضمن هيئات شرعية، و بالتالي الفتوى الّتي تصدر هي فتوى جماعية و ليست فردية، فكيف يكون الحق مع الأفراد أقرب و من الجماعة أبعد؟.

الجواب:

أوّلا: إنّ الحق لا يُعرف إلاّ إذا وافقه الدليل، فكلّ كلام و كلّ فتوى جاء الدليل يُعارضها فهو كلام و فتوى مردودة أيّ كان قائلها.

ثانيا: إذا حصل الخلاف في مسألة شرعية فالمردّ إلى الكتاب و السنّة هكذا أمر الله جلّ و علا، فلو كان ثمّة شيئا غير الكتاب و السنة يحسم الخلاف لأمر الله به و ما كان ربّك نسيّا، قال سبحانه:"فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله و رسوله إن كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر ذلك خير و أحسن تأويلا".

و تأمّل إلى قوله:"في شيء"فهو نكرة في سياق الشرط تفيد العموم، أي فإن تنازعتم في أيّ شيء فردّوه إلى الله و رسوله أي إلى كتابه و سنّة رسوله عليه الصّلاة و السّلام.

و تأمّل إلى قوله:"ذلك خير و أحسن تأويلا".

فلم يجعل ربّنا معيار معرفة الحق من الباطل عند الخلاف ما عليه الأكثر و الجمهور، بل المعيار هو موافقة الدليل

ثالثا: كون هؤلاء العلماء مجتمعون تحت أيّ مظلّة لا تجعلهم معصومين عن الخطأ و الزلل لا سيما إذا عرفنا نقطتين: - أنّ هذه الهيئات و المجامع لم تضمّ كلّ علماء العصر.

-و أنّ هذه الهيئات هي متنوّعة و ليست مجتمعة في هيئة واحدة، و قد تختلف فيما بينها.

قال [1] الإمام إبن القيّم: إنّ أقوال العلماء و آراءهم لا تنضبط و لا تنحصر، و لم تضمن لها العص مة إلاّ إذا إتّفقوا و لم يختلفوا، فلا يكون إتّفاقهم إلاّ حقّا، و من المحال أن يُحيلنا الله و رسوله على ما لا ينضبط و لا ينحصر، و لم يضمن لنا عصمته من الخطأ، و لم يقل لنا دليلا على أنّ أحد القائلين أولى بأن نأخذ قوله كلّه من الآخر، بل يترك قول هذا كلّه و يؤخذ قول هذا كلّه، هذا محال أن يشرّعه الله أو يرضى به إلاّ إذا كان أحد القائلين رسولا، و الآخر كاذبا على الله. إنتهى

فصار المعيار لمعرفة الحق من الباطل، و الصواب من الخطأ، و الهدى من الضلال هو الكتاب و السنّة، و تأمل إلى ما قاله [2] العلاّمة عبد الرحمن المعلّمي و هو يتحدّث عن عمل أهل المدينة، وما أدراك ما عمل أهل المدينة: و أمّا عمل أهل جهة من الجهات فلم يسلّم الأئمّة لمالك إحتجاجه بعمل أهل المدينة، مع أنّها معدن الإسلام، و أهلها حينئذ الصّحابة و التابعون و كثير منهم أئمّة مجتهدون، و كانوا من العلم و المعرفة و الحرص على إتّباع السنّة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في أعلى الطبقات، فما بالك بعمل أهل جهة أخرى بعد أن عزّ العلم الصحيح و كثر علماء السوء و إنتشر دعاة البدع، و فُقد الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و صار من بقي من العلماء شعارهم: عليك بخويصة نفسك، و دع عنك أمر العامّة. إنتهى

رابعا: لم يكلّفنا الله سبحانه عند السؤال أن نرجع إلاّ لأهل الذكر و هم أهل القرآن و السنة، فكلّ من كان من أهل الذكر كان أهلا للسؤال سواء وُجد ضمن هيئة أم لم يوجد، قال سبحانه:"فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"

(1) - إعلام الموقعين (2/ 162)

(2) - رسالة في تحقيق البدعة، ص: 33

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت