شبهات و الردّ عليها:
الشبهة الأولى: أنّ ضمن هذا الصنف من العلماء من هو من كبار العلماء، و ليس من الهدي الصحيح هدر كلّ جهود العالم بما قد يقع منه من زلّة.
الجواب:
أوّلا: كونُ الرّجل من كبار العلماء لا يجعله هذا الوصف معصوما عن الخطأ و بالتالي لا يجعله فوق النقد و فوق النّصح، فكلّ رادّ و مردود عليه إلاّ المعصوم محمد بن عبد الله عليه الصّلاة و السّلام"فما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يُوحى"، و قد امر الله تعالى نبيّه محمد صلّى الله عليه و سلّم بأن يقول:"و قل ربّ زدني علما"، و هذا نبيّ الله موسى عليه الصّلاة و السّلام لمّا ظنّ أنّه أعلم أهل الأرض في زمانه إبتلاه الله سبحانه و تعالى بالخضر عليه السّلام و القصّة قصّها الله في كتابه، و قصّها نبيّنا محمد صلّى الله عليه و سلّم كما رواها البخاري في صحيحه في كتاب العلم.
ثانيا: نعم قد تكون هذه زلاّت من هؤلاء العلماء، لكن ليس كلّ زلّة نغظ الطرف عنها و عن أصحابها لاسيما إذا كثرت هذه الزلاّت، أو تسببت في قتل المسلمين المعتدى عليهم، أو تسببت في تشويه الجهاد و المجاهدين، أو تسببت في نصرة أعداء الدّين على المسلمين، أو تسببت في تحسين القوانين الوضعية، أو غضت الطرف عن تعطيل شريعة ربّ البريّة، أو ... ،أو ...
روى الدارمي عن زياد بن حدير قال: قال لي عمر رضي الله عنه: هل تعرف ما يهدم الإسلام. قلت: لا.
قال: يهدمه زلة العالم، و جدال المنافق بالكتاب، و حكم الأئمة المضلّين. إنتهى
قال [1] الإمام الشاطبي مبيّنا خطورة زلاّت العلماء: فإنّ زلّة العالم في علمه و عمله إذا لم تتعد لغيره في حكم زلّة غير العالم فلم يزد فيها على غيره، فإن تعدّت إلى غيره إختلف حكمها، و ما ذلك إلاّ لكونها جزئية إذا إختصت به و لم تتعدّ إلى غيره، فإن تعدّت إلى غيره صارت كلّية بسبب الإقتداء و الإتباع على ذلك الفعل أو على مقتضى القول، فصارت عند الإتباع عظيمة جدّا و لم تكن كذلك على فرض إختصاصها به، و يجري مجراه كلّ من عمل عملا فإقتدي به إن صالحا فصالح، و إن طالحا فطالح، و فيه جاء من سنّ سنّة حسنة أو سيئة، و إنّ نفسا لا تقتل ظلما إلاّ كان على إبن آدم الأوّل كفل منها، لأنّه أوّل من سنّ القتل، و قد عدّت سيئة العالم كبيرة لهذا السبب و إن كانت في نفسها صغيرة. إنتهى
قال أبو عمر إبن عبد البرّ: و تشبه زلّة العالم بإنكسار السفينة، لأنّها إذا غرقت غرق معها خلق كثير. إنتهى
و في كلام الشاطبي و إبن عبد البرّ بيان في مكمن خطورة زلّة العالم و أنّها ليس في كونها خطأ و لكن فيما يترتب عليها من عمل الأتباع و المقلدين من بعده، و كفى بهذا محرّضًا على النكير على من صار إليها، أو تترّس بها في تحليل ما حرّم الله.
ثالثا: لم نجعل هذه الزّلات في رتبة واحدة، و بالتالي لم نجعل أصحابها في رتبة واحدة، فمن كانت زلّته مثلا في تحليل بعض أنواع الخمور، ليس كمن كانت زلّته في إستباحة أراضي المسلمين لصالح الكافرين، أبدا ليس من الإنصاف و لا من الهدي الصحيح التسوية بين هاتين الزلّتين، و بالتالي بين القائلين بهاتين الزلّتين.
و قد بيّن الشاطبي عموما طريقة المعاملة مع هذه الزلاّت و أصحابها، فقال [2] : لابد من النظر في أمور تبنى على هذا الأصل
(1) - الموافقات 1/ 1/91
(2) - نفس المصدر 4/ 170