الصفحة 30 من 72

المصلحة كما يعرف سادة العلماء من المنظور الأصولي ليست كلّها معتبرة شرعا، حيث نجد علماءنا قسّموا المصلحة إلى أقسام ثلاثة:

-قسم معتبر: و هو ما نصّت الأدلّة الشرعية على إعتباره.

-قسم ملغاة: و هو ما قام الدليل على عدم إعتباره، فما شهد الشرع بردّه فلا سبيل إلى قبوله.

-قسم لم يشهد لها من الشرع دليل جزئي يدلّ على إعتبارها أو إلغائها بعينها أو نوعها، و إنّما تدخل ضمن نصّ كليّ عام، و هو ما يُطلق عليه العلماء بالمصلحة المرسلة، و هذا النوع من المصالح إختلف العلماء في الإحتجاج به، و من إحتجّ به فبشروط قيّد تصرّفه به و لم يجعل الأخذ بهذا القسم مرسلا، و من أهمّ هذه الشروط: أن تكون المصلحة مصلحة ملائمة لمقصد الشرع، و غير ذلك من الشروط يجدها طالب الحق في مظانّها، و المقصود أنّنا لم نجد من العلماء المعتبرين هذا التوسّع في الأخذ بالمصلحة كيفما كان إلاّ من هذا الصنف من العلماء، و لا حول و لا قوّة إلاّ بالله.

ثمّ أليس العلماء ورثة الأنبياء؟ نعم! هم كذلك و من الأمور الّتي ورثوها من الأنبياء و خاتمهم محمد صلّى الله عليه و سلّم ما قاله الله تعالى آمرا نبيّه عليه الصّلاة و السّلام: - وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ -

فيجب على العلماء أن يجعلوا التحاكم إلى الشرع فوق كلّ إعتبار، قال الإمام ابن القيم في كتابه"إعلام الموقعين": وإذ كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله ولا يجهل قدره وهو من أعلى المراتب السنيات فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات، فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعد له عدته وأن يتأهب له أهبته وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به فإن الله ناصره وهاديه، كيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب، فقال تعالى: {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب} ، وكفى بما تولاه الله بنفسه شرفًا وجلالة إذ يقول في كتابه: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} ، وليعلم المفتي من ينوب في فتواه وليوقن أنه مسئول غدًا وموقوف بين يدي الله) اهـ

أُذكر هؤلاء بقوله الله تعالى: - وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتُبيِّننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم -، و قال: - يأهل الكتاب لِمَ تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون -.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ومتى ترك العالم ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله وإتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله كان مرتدًا يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: - آلمص * كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين * إتبعوا ما أنزل إليكم من ربّكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلًا ما تذكرون - اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت